دعونا نتساءل في البداية عن الأسباب الجوهرية لقصورنا في الفهم وارتباكنا في التعامل المعرفي مع الكثير من القضايا والمسائل المتنوعة، ثم نتحدث بعد ذلك عما يفرضه علينا ذلك القصور من مواقف وسلوكات.
1-البشر بمجملهم لا يعرفون تفاصيل كل ما يجري، فأنا لا أعرف ماذا يجري الآن في أوروبا أو إفريقية، والذين هناك لا يعرفون تفاصيل ما يجري في آسيا، بل إن أبناء القرية الواحدة لا يعرفون تفاصيل كل ما يجري في قريتهم على نحو مباشرين نقل وإخبار من بعضهم إلى بعضهم الآخر. أضف إلى هذا أن العلم الذي تراكم لدى البشرية لم يتوصل إلى كشف كل العناصر المكونة للبيئة، ولا إلى كشف العلاقات التي تربطها والتفاعلات التي تجري بينها، كما أن البشر لا يعرفون أسباب ما يجري أو كل ما يجري على وجه دقيق، وعلى سبيل المثال فإن هناك حزمة كبيرة من الأمراض التي تصيب الإنسان والحيوان، وليس هناك من يعرف أسبابها، ولا من يعرف العلاقات التي يمكن أن تربط بين عشرة أعشاب نادرة في الصين ومرض نادر وغامض في إفريقية. إن الجهل بما يجري وببعض أجزاء وجودنا على هذه الأرض وبالعلاقات التي تتبادلها الأشياء... جعل مجال الظن والشك والوهم والتخرص والإدعاء والتقول واسعًا للغاية، وهذا وحده كافٍ لجعل رؤى أفضل الناس عقولًا تضطرب، وتحار حيال أعداد كبيرة من الظواهر والقضايا الطبيعية والإنسانية والحضارية.
2-من الواضح أن القصور الذاتي هو الطابع الأساسي للوجود الإنساني، وسمة القصور الذاتي هذه دفعت الناس دفعًا إلى أن يعتمدوا على بعضهم في فهم الوجود؛ فهناك من يعلِّم، ومن يتعلم، وهناك من يستشير، ومن يُشير، ومن يرى الشيء، فيحدِّث به من لم يره، ومن يعقل الشيء، ويدرك تفاصيله وخفاياه، فيشرحه لمن لم يسمع عنه إلاّ القليل. هذه العلاقات الاعتمادية تقوم أساسًا على (اللغة) المنطوقة والمكتوبة، حتى الرموز والإشارات -مثل لوحات التحذير وإشارات المرور- تعتمد في دلالتها على اللغة، وهنا تدخل البشرية في تعقيد جديد؛ إذ إن اللغة منتج بشري، وما أنتجه البشر يظل قاصرًا، ولهذا فإن لدى علماء اللغات في أنحاء العالم إجماعًا بأن النظم اللغوية نظم قاصرة في التعبير عن حاجات البشر، وقاصرة عن تحقيق التواصل الكامل بينهم، وهذا القصور يأتي من قصور نظم الكلام؛ حيث إننا في أحيان كثيرة لا نجد الكلمات والتعبيرات التي تترجم أفكارنا ومشاعرنا على نحو دقيق، وكما نريد بالضبط، وكثيرًا ما نقول حين نراجع في بعض ما نطقناه: إننا لم نرد هذا، وإنما أردنا كذا، ولكن خاننا التعبير؛ كما أن قصور اللغة يتجلى في قصور نظم الفهم والتعبير والتأويل لما نسمع، ونقرأ ووجود عشرات التفاسير المطولة والمختصرة لكلام الله العزيز دليل واضح على ما نقول، والخلافات الذائعة بين الفقهاء الدستوريين على مستوى العالم وبين القضاة والمحامين، تقدم أدلة إضافية على حقيقة ما نقول. وشيء من إشكال استخدام اللغة يعود إلى طبيعة تركيب (المخ البشري) ؛ إذ إنه يتعامل مع اللغة الكمية والدلالات الرقيمة والإحصائية بكفاءة عالية، لكنه يُبدي الكثير من الارتباك حين يتعامل مع ما هو من قبيل اللغة الكيفية، فنحن نعبر عن الصدق والأمانة والشجاعة والاجتهاد والخمول والفرع والرضا... بتعبيرات كثيرة، يتلقفها الدماغ على أنها تعبيرات غير دقيقة وغير جادة وغير وافية، ولهذا فإنه يسمح لنفسه بتأويلها على نحو شبه احتياطي، مما يجعل التواصل العقلي والشعوري لدينا واهيًا وموضع تساؤل. ولا أعرف أي دواء حاسم لمعالجة هذه المشكلات، لكن يمكن عن طريق إعادة تكوين العادات الكلامية لدى الناس أن نحرز بعض التقدم على هذا الصعيد
مكافحة العماء (2)
د. عبد الكريم بكار 21/12/1427
تحدثت في المقال الأول عن أن الإنسان يظل طيلة عمره يكافح من أجل رؤية الأشياء على ما هي عليه، ومن أجل الاهتداء إلى الأسلوب الأمثل في التعامل معها، واليوم أكمل الحديث عن أسباب هذه المعضلة وعن بعض ما يحسِّن من سوية التعامل معها عبر المفردات الآتية: