فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 292

1-عقولنا لا تتعامل مع القضايا والمشكلات وكل أشكال الموجودات على نحو مباشر وإنما من خلال تجسيدها في مجموعة من الصور المترابطة والناشئة عن الرموز والمصطلحات والتعريفات والتقسيمات والأحكام ذات الصلة بكل قضية من تلك القضايا... إن من الواضح أن شدة الذكاء وضخامة التحصيل العلمي والاحتراف المنهجي في البحث- لم تكن كافية في يوم من الأيام لقطع دابر النزاع حول أي مما ذكرناه، وعلى سبيل المثال فإن اختلاف الناس حول الكثير من (التعريفات) جعلهم يقفون عاجزين أمام حسم القضايا المرتبطة بها، وسأذكر هنا مثالًا سريعًا لذلك من خلال ذكر التساؤلات التي تدور حول تعريف (الالتزام) وتعريف الشخص (الملتزم) : حين نقول: هذا مسلم ملتزم، فماذا يعني ذلك؟ هل يعني أنه يؤدي الواجبات والفرائض ويتجنب الوقوع في الكبائر والموبقات، أم أنه يعني أيضًا أداء النوافل وفعل السنن والمستحبات، واجتناب ما هو من قبيل المكروه والمرغوب عنه وخلاف الأولى؟ وإذا وقع الملتزم في كبيرة، فهل يخرجه ذلك من دائرة الالتزام؟ وإذا كانت التوبة من الكبيرة تعيد صاحبها إلى مصاف الملتزمين، فما الموقف من الذي يقع كل أسبوع في كبيرة ولا يلبث أن يُتبعها بتوبة؟ وكل هذا مبني على أن تعريف الكبيرة متفق عليه، وليس الأمر كذلك على ما هو معروف ومشهور! ونظرًا لغموض كل ذلك، فإن الناس يحاولون دائمًا التشبث بأي شيء من أجل العثور على معيار يستعينون به على إصدار الحكم الملائم. وأنا أذكر كيف أن الناس في كثير من أصقاع العالم الإسلامي ينظرون إلى من أدى فريضة الحج على أنه قد بلغ مرتبة عالية جدًا في التمسك والالتزام، ولهذا فإنهم يظلون يستهجنون منه الوقوع في أي مخالفة شرعية، ولطالما سمعنا من يقول: حاج، ويكذب! حاج ويأكل حقوق الناس! حاج ويسمع الأغاني!.. ولطالما رأينا من يغضب إذا لم تقرن اسمه بلقب حاج، لأنك بذلك تنزع منه وسامًا عظامًا، أو تبدو في صورة المستخف به! وهذا كله مع أن شعيرة الصلاة أعظم حرمة عند الله تعالى من شعيرة الحج أو الزكاة.. ومع أن المحافظ على الصلاة يقوم بعمل عظيم، ويبذل جهدًا مستمرًا أكبر بما لا يقارن من الجهد الذي يبذله الحاج، لكن الناس نظروا -بحسب أمزجتهم واجتهاداتهم- إلى أن الحج يشكل فاصلًا كبيرًا جدًا بين تاريخين أو مرحلتين من مراحل العمر، ولهذا فإن الشخص بعد الحج يجب أن يكون شخصًا مختلفًا جدًا عما كان عليه قبله!

ويختلف الناس في الملتزم من وجه آخر حيث ينعته بعضهم بأنه متعصب، وينعته آخرون بأنه متشدد، وينعته فريق ثالث بأنه منغلق، وأضاف الغرب في السنوات الأخيرة والحاطبون في حباله من قومنا، نعوتًا جديدة لمن عليهم ملامح الالتزام، ومن تلك النعوت: (إرهابي) ، (متطرف) ، (أصولي) ، (ظلامي) ، (رجعي) ، (متخلف) ... والعجيب أن كثيرًا ممن يطلقون هذه الألقاب على المتدينين، يمتنعون عن مناقشتها والتداول في مدى انطباقها على من يمكن أن نسميه (المسلم الصالح) أو (المسلم الملتزم) . وعلى سبيل المثال فإن الولايات المتحدة ترفض رفضًا باتًا عقد مؤتمر دولي من أجل تحديد مفهوم (الإرهاب) حتى يعرف العالم: هل ما يقوم به الفلسطينيون ضد اليهود هو من باب مقاومة المحتل أو من باب الإرهاب والعدوان على الأبرياء؟!

وهذا يعني ببساطة أن القوى النافذة تضر من دفع ضريبة وضوح المصطلحات والتعريفات، وتستغل غموضها للبطش بأعدائها، وهذه القوى قد تكون داخل البلدان الإسلامية، وقد تكون قوى مناوئة ومعادية لها.

قد تقول لي: قد عرفنا الداء، وعرفنا حجم العماء الرابض في هذا التعريف، فما العمل؟

الجواب يتمثل في الآتي:

أ - حين نضع تعريفًا لأي شيء، فإن من المتوقع أن يعبر ذلك التعريف عن مدى إحاطتنا بما نعرِّفه، وعن اعتقادنا فيه ورؤيتنا له وبما أن كل ذلك يتفاوت بين أمة وأمة وأحيانًا بين شخص وآخر، فإن من غير المستغرب أن نجد لكثير من القضايا الإنسانية والأخلاقية والاجتماعية والحضارية عددًا من التعريفات المتباينة. وحين يوجد للشيء الواحد أكثر من تعريف فإن المجال يصبح مفتوحًا أمام الانتقاء والتحيز ومتابعة الأهواء وتمرير المصالح المشروعة وغير المشروعة. الخلاصة المستفادة من هذا هي أن الحسم الكامل للخلاف في التعريفات سيظل مفقودًا. وأن الاستغلال السيئ لذلك سيظل مستمرًا.

ب - مصطلح (الالتزام) و (الملتزم) مصطلح جديد، حيث لا أعرف أن أحدًا من السلف استخدمه كما نستخدمه اليوم، وهذا يعني أن تعريف الالتزام هو أيضًا جديد في هذا الحقل، ولهذا فإن علينا أن نتساءل ما المصطلح القديم الذي استخدمه السابقون في سياق الدلالة على الاستقامة الدينية. هل هو مصطلح (صالح) أو (تقي) أو (ورع) ؟ أو ماذا؟ وإذا استطعنا إلحاق مصطلح (ملتزم) بواحد من هذه المصطلحات فهل نستطيع الاستفادة من مدلول المصطلح القديم في توضيح المصطلح الجديد؟ أو يكون الخيار هو إلغاء المصطلح الجديد؟ أو ماذا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت