فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 292

ج - أحيانًا قد نستطيع التغلب على مشكلة غموض التعريفات والمصطلحات من خلال وضع التقسيمات والتنويعات، كما فعل بعض نابهي علماء العقيدة والأصول والفقه حين قالوا: هناك: نفاق عقدي ونفاق عملي، وهناك إيمان دون إيمان، وكفر دون كفر، وفسق دون فسق، ومن ثم فإننا نستطيع أن نقول: إن الالتزام درجات، وبذلك نكسر حدة الغموض والخلاف.

د - تفتيح الوعي الإسلامي على أهمية الوضوح في كل المسائل التي نبحث فيها فنتعلم كيف نصبر على بذل الجهد في تحديد المصطلحات والتعريفات، وتحرير مواضع النزاع، وذكر ما ليس مختلفًا فيه. وقد كان بعض علمائنا القدامى يذكرون عقائدهم في بدايات كتبهم، فليتنا نفعل نحوًا من ذلك بذكر أكبر عدد ممكن من الأطر والمنطلقات والمفاهيم والمصطلحات والتعريفات والاحترازات التي تساعدنا على حصر دوائر النقاش في حدود ضيقة، كما تساعد من يسمعنا ويقرأ لنا على فهم تعبيراتنا بأقل قدر ممكن من الوهم والالتباس

مكافحة العماء (3)

د. عبد الكريم بكار 6/1/1428

من المهم أن ندرك أن الأصل في الناس هو الجهل حتى يتعلموا، كما أن الأصل في أنماط تفكيرهم هو الاعوجاج والفجاجة إلى أن يدرّبوا أنفسهم على التفكير القويم، وقد صرّح القرآن بهذه الحقيقة الناصعة حيث قال -سبحانه-: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [سورة النحل: 78] .

إن من الواضح جدًا أن الناس يكرهون العماء، ويكرهون الجهل بما يجري حولهم، كما تكره الطبيعة الفراغ، ولهذا فإنهم يسارعون إلى إصدار الأحكام وتقرير المسائل مهما كانت مرتكزاتهم المعرفية ضئيلة، وسطحية، وهم بذلك يزيدون الطين بلة، ويفاقمون المشكلة.

كثير من الناس لا يعرفون أن (العقل) من غير معرفة هباء، وأن الذكاء من غير معرفة جيدة لا يكون كافيًا لتشكيل التصوّرات الصحيحة وإصدار الأحكام الرشيدة... وهذا التوهّم يفسِّر جزئيًّا تقاعس كثير من بني جلدتنا عن القراءة واصطحاب الكتاب، وعن البذل السخي على التعلم واكتساب المعرفة. وهذه إشارات سريعة في هذه المسألة:

1-إن من معايير التقدم الحضاري مدى ما يتوفر لدى البلد من معطيات ومعلومات وأرقام وإحصاءات... ذات صلة بالحياة اليومية للناس، وذات صلة باهتماماتهم ومشروعاتهم المستقبلية. إنّ توفّر القدر الكافي من المعلومات والأرقام يحسِّن درجة الوعي لدى الناس، ويساهم في ارتقاء مستوى تفكيرهم، وهو إلى جانب ذلك يوفر لهم قدرًا من الأمان ضد الغش والتزوير والتزييف الذي ينتشر اليوم في كل مجالات الحياة، وعلى نحو لم يسبق له مثيل!

في الدول الفقيرة والنامية شح كبير في المعلومات، وذلك لأن بناء الهياكل المعلوماتية مكلف جدًا، ويحتاج إلى درجة من التنظيم ليست متوفرة لدى كثير من الدوائر والجهات والمؤسسات الحكومية والأهلية. وهذا الفقر المعلوماتي يشجِّع الكثيرين على الكذب واللعب بعقول الناس وخداعهم، وفي بلدان إسلامية كثيرة تتحكم الحكومات وموظفوها بإدارة المعلومات والإحصاءات، وفي ظل ضعف المسألة والمحاسبة الشعبية فإن موظفي الدولة يستطيعون نشر ما يريدون من أرقام، وحجب ما لا يريدون نشره على مقتضى مصلحة الحكومة ومصالحهم الخاصة، وهذا جعل الثقة بما يُنشر ضعيفة، وأحيانًا معدومة، وقد قال أحد الكتاب يومًا: إننا لا نحصل على أي أرقام صحيحة؛ حتى درجات حرارة الطقس هناك مَن يتلاعب بها! وهذا الكلام مع أنه لا يخلو من المبالغة إلاّ أنه يشير إلى الإحباط الذي يعاني منه كثير من الناس على هذا الصعيد. ومن هنا فإنه لم يعد من المستغرب ما يُلاحظ من ذلك الارتباط الوثيق بين تدني مستوى الشفافية والإفصاح وبين الرشوة والفساد الإداري والمالي وخراب الأخلاق والذمم، وإن التقارير السنوية لمنظمة الشافية الدولية، تضع معظم الدول الإسلامية في ذيل الدول على مستوى النزاهة والاستقامة الإدارية والمالية؛ وهذا على مقدار ما هو مخجل، محفّز لنا على التحرك من أجل فهم الأسباب الموضوعية والتفصيلية لذلك، ومحاولة معالجة تلك الأسباب.

2-لم يستطع علماء الأمة ومثقّفوها الشرعيون ودعاتها نقل الإنجازات الضخمة لعلماء الحديث على مستوى التثبّت والتدقيق في الأخبار والآثار المروية، لم يستطيعوا نقلها من الإطار (الأكاديمي) والتنظيري إلى الثقافة الجماهيرية العامة؛ إذ لا نجد إلاّ القليل من التحرّز تجاه تداول الشائعات والأخبار الكاذبة، وإلاّ القليل من التبصُّر في مضمون ما يتم تداوله ومدى وثاقته وصحّة نسبته إلى قائله، ولهذا فإن لدينا الكثير الكثير من الخرافات، والكثير من المعطيات اللينة التي لا تصمد في وجه أي تمحيص أو اختبار. إن العقل البشري في بنيته العميقة يقبل الخداع والتضليل على نطاق واسع، ولهذا فإن الأكاذيب التي يتم نشرها تؤثر في أحكامنا وطروحاتنا على نحو هو أكبر مما نظن، وهناك شريحة واسعة من الناس يمكن وصفها بأنها ضحية حقيقية للمراوغة اللغوية وصناعة الكذب المتعاظمة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت