فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 292

ليس هناك من حل لهذه المعضلة سوى إيجاد ثقافة الاهتمام بالأرقام والإحصاءات، وعلى الجماعات والمؤسسات والجامعات الإسلامية أن تجعل من نفسها قدوة في الشفافية والإفصاح والصدق، فتؤسس أقسامًا للإحصاء والمعلومات تابعة لها، وتكون مستعدة لمناقشة ما يُقال حول المعلومات التي تنشرها. وعلى الدول أن تُلزِم الدوائر الحكومية والشركات والمؤسسات الخاصة بالقيام بنحو من ذلك. إن المعلومات مثل السياسة أكبر من أن تُسنَد إلى جهة واحدة، وإن وجود معلومات وأرقام واردة من جهات مختلفة، يساعد الناس على تشكيل رؤى معتدلة للقضايا الحياتية المختلفة، ويساعدهم في الوقت ذاته على النجاة من مآسي الأرقام المغلوطة.

3-من أمن العقوبة أساء الأدب، ومن أمن الفضيحة تمادى في السوء والرذيلة، هذه هي طبيعة الناس، وهذا هو حال كل الذين لا يجدون رادعًا من دين أو خلق متين. ومن الواضح أن ضعف النقد الثقافي والاجتماعي لدى الكثير من الشعوب قد جرّأ من لا يعرف على قول الخطأ والباطل، وشجع المنحرفين على المضي في طريق الانحراف. ومن هنا فإن تنشيط سوق النقد وتوسيع مجال حرية التعبير يشكلان نقطتين مهمتين على صعيد مكافحة تزوير المعلومات، والحد من الشائعات وسيطرة الرؤى الأحادية. إن الاستقامة المعرفية تحتاج إلى اعتماد أسلوب نقد الفكرة بالفكرة، ومقارعة المعلومات بالمعلومة، وتمحيص البحث بالبحث، ومواجهة الاقتراح باقتراح آخر.... وما لم يتم اعتماد هذا الأسلوب، فإن من المتوقع أن يستمر الإنتاج الثقافي الرديء، والقادر على طرد الإنتاج الجيد، ومحاصرته كما تفعل العملة الرديئة بالعملة الجيدة!

مكافحة العماء (4)

د. عبد الكريم بكار 24/1/1428

السؤال الذي يطرح نفسه بعد كل ما ذكرناه هو: ما الذي يمكن لهذا الإنسان المسربل بالنقص والقصور أن يفعله من أجل فهم الأحداث والأشياء والأوضاع، ومن أجل تفسير وقائع الماضي، واستشراف اتجاهات المستقبل؟

لا شك في أننا نستطيع أن نفعل الكثير، كما أننا سنجد أنفسنا عاجزين عن فهم الكثير، وهذا مما لا جدال فيه؛ فالرشد المطلق والوعي الكامل والرؤية المحيطة ليس من شأن الإنسان الظفر بها، وذلك ببساطة لأنه ليس مؤهلًا لذلك في تركيبه العقلي واستعداده الفطري، فما الذي يمكن أن نفعله، أو ما ملامح ما يمكن أن نفعله؟

لعلي أشير على نحو موجز إلى بعض الأسس المهمة على النحو الآتي:

1)قد يكون من المفيد أن ننظر إلى معارف الناس وخبراتهم المتعلقة بأي قضية من القضايا على أنها ناقصة وغير ناضجة، وليس في هذا أي غمط لأحد، أو استخفاف بأي خبرة؛ فما من أحد يعرف شيئًا أو يدّعي الإلمام بشيء إلاّ وهناك من هو أدرى وأعلم منه، كما قال جل شأنه: ( نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) [سورة يوسف: من الآية 76] . هذه النظرة الموضوعية لأهل العلم والخبرة تبيح لنا أن نتساءل ونناقش كل كاتب ومتحدث، وتبيح لنا أن نضع أفكاره وأطروحاته واجتهاداته على طاولة التشريح، ولِمَ لا والمفكرون والباحثون المتخصصون حين يخرجون علينا بشيء جديد، فإنهم في الحقيقة يعبرون على نحو ما عن وجهة نظر شخصية أو فئوية، ومن حقنا أن نبحث ذلك ونقدم وجهة نظرنا فيه. هذه الرؤية المنهجية للمعرفة تساعدنا على أن نكون شركاء في تطوير الفكر والعلم عوضًا عن أن يكون دورنا مجرد التلقي والاستسلام للباحثين والخبراء، وهذه النظرة هي نظرة الراسخين من العلماء وأهل البصيرة العارفين بعمليات تكوين الرأي، ورحم الله تعالى الإمام مالك بن أنس حين كان يقرأ قوله تعالى: (إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ) (سورة الجاثية: من الآية 32) : عندما يفتي في بعض المسائل العويصة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت