2)نحن في الصحوة الإسلامية نحتاج من أجل مكافحة العماء إلى أن نصغي بتركيز شديد إلى ما يقوله عنا المخالفون لنا، ومن هم خارج دائرة الصحوة مهما كانت اتجاهاتهم ومنطلقاتهم، وذلك لأن الإنسان أي إنسان يرى الأشياء ويفسر الأحداث من أفق عقائده ومسلّماته وأفكاره وخلفيته الثقافية.. ونحن حين نستخدم كل ذلك في صياغة الرؤى الجديدة لسنا معصومين، ولسنا دائمًا في أحسن أحوالنا، بل هناك قصور منهجي ومعرفي واضح لدى كثيرين منا، استماعنا باهتمام لما يُقال فينا وعنّا، ليس بسبب أننا غير واثقين من منطلقاتنا، ولكن لأننا نريد أن نوسع دوائر الرؤية لدينا، ونريد أن نستفيد من أدوات النقد والتحليل التي يستخدمها الآخرون، ومن الواضح في هذا السياق أن كثيرين منا حصروا اطلاعهم في دائرة الثقافة الشرعية والتراثية عامة، ولم يقرؤوا شيئًا ذا قيمة في علوم الحضارة والمستقبليات، ولم يطلعوا على كتب المنطق الحديث ولا على شيء من كتب الفلسفة الإسلامية وغير الإسلامية، ولهذا فإن طروحاتهم تكون محدودة بسبب ارتكازها على ألوان محددة من المعرفة، إنهم يفكرون داخل الصندوق، ولا يعرفون شيئًا مهمًا عما يجري خارجه، مع أن الأحداث الجارية تتأثر إلى حد بعيد اليوم بتوجّهات القوى النافذة على الصعيد السياسي والإعلامي والاقتصادي، وكثير من تلك القوى لا ينتمي لا إلى العروبة ولا إلى الإسلام، نحن نعتبر معرفة الحقيقة هي الأساس في كل جهد إصلاحي ونهضوي، ويجب أن نحرص عليها حتى نستطيع وصف العلاج الناجح الناجع للواقع الإسلامي.
3)ثمة شيء أساسي على طريق وضوح الرؤية، وهو البحث المخلص والصادق عن الخطوط العريضة التي يتحرك فوقها الناس، ومحاولة فهم أكبر قدر ممكن من سنن الله تعالى في الخلق، ومحاولة فهم طبائع الأشياء التي فطرها الخالق سبحانه عليها، إن لكل مجال من مجالات الحياة سننه وقوانينه التي تحكمه، وله قيمه وأخلاقياته، كما أن له تداعياته وضروراته الخاصة به.. وفهم كل ذلك، يساعدنا مساعدة كبرى على تحصين أنفسنا وعقولنا من سيطرة الرؤى المبتسرة والمعلومات المزيفة والمزورة وسيطرة الرغبات والأهواء المضلة المضللة، وقد كان علي رضي الله عنه يقول:"رأي الشيخ ولا رؤية الصبي"أي أن حدس كبار السن وتخمينهم واجتهاداتهم أولى بالصواب والقبول من رؤية الصبي للأشياء بعينه، وما ذلك إلاّ لأن الخبرة التي لدى الشيوخ تمكنهم من امتلاك فهم أعمق للنظم والقوانين الكونية، وفهم أعمق للوضعيات التي أوجد الله تعالى فيها الأشياء، وعلى سبيل المثال فإن الذي نخافه على الشركاء هو البغي والعدوان، والذي نخافه على الفقراء هو الذل والهوان، أما الذي نخافه على الأغنياء، فهو الطغيان والاستعلاء، كما أننا نخاف على الوُعّاظ من الوقوع في الكذب والمبالغة، ونخاف على العسكريين من التفكير الحرفي، ونخاف على المفكرين من الجفاف الروحي وعلى العباد من التفكير الخرافي.. إننا نخاف على هؤلاء من الوقوع في هذه المشكلات؛ لأننا نعرف طبيعة هذه المجالات والاختصاصات والوضعيات، ومما يؤسفني على هذا الصعيد أن أقول: إننا لم نبذل إلاّ القليل من الجهد المطلوب لفهم هذه الأمور، مما أوجد لدينا قدرًا غير قليل من الاضطراب المنهجي، مع أن المتأمل في آيات الذكر الحكيم يجد الكثير الكثير من الأنوار الهادية إلى السنن والدالّة عليها!
مكافحة العماء (5)
د. عبد الكريم بكار 4/2/1428
لدينا اليوم عدد كبير من المؤشرات المعرفية، وكم ضخم من المعلومات المتعلقة بكل جانب من جوانب الحياة، وهذه الوضعية تمكن كل مدعٍ أن يقول الكثير مما يريد قوله، مما جعل معرفة الصواب والحق على جانب كبير من التعقيد، وليس لدى أحد من الناس حلول كاملة لذلك، لكن هناك محاولات ومقاربات جيدة، ومن تلك المقاربات السعي إلى فهم الأمور عن طريق (النماذج) ، والحقيقة أن ما سنه الله -تعالى- من سنن في الخليقة بالإضافة إلى ما فطر عليها الأشياء من طبائع، إلى جانب تشابه كثير من ردود أفعال الناس على التحديات التي يواجهونها، إن كل ذلك يتيح لنا بناء (هيكل) من الأفكار والمشاعر والصور الذهنية والانطباعات ... نتمكن من خلاله فهم الأوضاع والأحوال في بلد من البلدان أو مؤسسة من المؤسسات... إننا في بناء ذلك الهيكل أو النموذج نستثمر المعلومات المتاحة في تكوين رؤية لحقيقة ما يجري على نحو استشرافي مجمل وحذر، فلا نغوص في التفاصيل، ولا نمضي مع الأقاويل والشائعات، ونعرف كيف نتعامل مع المعلومات الزائفة والمجازفة. وهذه بعض الأمثلة الشارحة لما نريد الوصول إليه:
السلوك المستعمر:
حين تقوم دولة بغزو دولة أخرى واحتلال أراضيها، فما المحددات العامة لسلوك الدولة الغازية؟
الجواب باستخدام (النموذج) وهو الآتي: