فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 292

أ - التمييز بين الظروف والقدرات الشخصية؛ إذ إن معظم الناس يخضعون لظروفهم، وهي في أكثر الأحيان ليست مثالية أو مواتية، أما الذين يريدون البقاء في القمة، فإن لهم شأنًا مختلفًا، إنهم يحاولون دائمًا اكتشاف طاقاتهم الكامنة واستثمارها على أحسن وجه، ويحاولون في الوقت نفسه ممارسة نوع من التمرد ضد الظروف الصعبة، ونجد هذا المعنى واضحًا في سيرة نبينا -صلى الله عليه وسلم- وسيرة إخوانه من الأنبياء والمرسلين، ومن جاء بعدهم من عظماء هذه الأمة وعظماء كل الأمم، إن المهم دائمًا ليس الاستهانة بالعقبات الموجودة، وإنما كيفية التعامل معها وكيفية الدوران حولها، وإني أعتقد ان أي واحد منا سيكون شخصًا مختلفًا جدًا إذا قطع نصف المسافة بين ما يفعله الآن وبين ما في مقدوره أن يفعله. ما هو كامن من ا لإمكانات والظروف الجيدة والفرص العظيمة... هو دائمًا أكثر وأكبر مما هو ظاهر، وهذه فعلًا حقيقة مذهلة!!

ب- لو تأملنا في سيرة كل أولئك الذين ذبلوا قبل الأوان أو من غير أسباب واضحة لوجدنا أن ما حققوه من نجاح وتألق هو السبب، وذلك لأن النجاح كثيرًا ما يولّد لدى أصحابه درجة عالية من الثقة بالنفس، والتي قد تصل إلى حد الغرور، وهذا يجعلهم لا يلتفتون، أو لا يهتمون بالتغيرات السريعة التي تحيط بهم، والتي تتطلب منهم تطوير أنفسهم على نحو ملائم. أضف إلى هذا أن الناجحين يتمسكون في العادة بالأسباب التي ساعدتهم على النجاح -وهذه الأسباب قد تكون أفكارًا وقد تكون عادات وعلاقات- ويظنون أن الاستمرار في النجاح لا يكون من غير ذلك. وهذا ليس بصحيح؛ فنحن في حاجة إلى التخلي عن الأفكار الناجحة مثل حاجتنا للتخلي عن الأفكار الفاشلة؛ في مرحلة من المراحل قد يكون المزيد من التثقف والاطلاع وجمع المعلومات هو أساس النجاح، لكن في مرحلة أخرى قد يكون الفهم والتحليل وبلورة النماذج واكتشاف أدوات جديدة للتفسير... هو المطلوب لتحقيق نجاح جديد أو الحصول على تميّز فريد. إن مما لا ننتبه إليه في أحيان كثيرة كون الإنسان مخلوقًا مستهلكًا يستهلك الأشياء والنظم والأفكار والمعلومات والتقاليد، وكثيرًا مما يُحسب في عداد المقولات الحكيمة والنيرة، ولهذا فإن التطوير المستمر هو أهم شرط للنجاح المستمر.

حول تنمية الشخصية (8)

د. عبد الكريم بكار 20/6/1428

الحياة ليست ورطة

الحياة نعمة من الله -تعالى- وحياتنا نحن البشر نعمة مضاعفة؛ إذ كرّمنا الله -جل وعز- وسخر لنا ما في السماوات وما في الأرض حتى نسعد ونعمل ونتمتع ونشكر ونعبد، ونحن في كل ذلك مبتلون، وإذا نجحنا في الاختبار، فإن ما ننتظره من كرامة الله -تعالى- شيء يفوق كل خيال، ولهذا فإنه مهما ساءت الظروف، واشتدت الكروب، فإننا نملك ما نغتبط به، ويمكن أن نوجه مشاعرنا بطريقة، تعود علينا بالكثير من الأمل والكثير من الارتياح، لكن مع هذا لا بد من القول: إن الإنسان بوصفه كائنًا محتاجًا ومستهلكًا ومتجددًا، فإن المعطيات الملموسة، تظل ذات معنى وذات قيمة، فالمرء حين يجوع، ويعرى، ويعاني من الأمراض والآلام المبرّحة يصعب عليه أن يشعر بالسعادة إلاّ إذا كان صاحب شفافية روحية عالية جدًا، وهذا في الناس نادر، ومن وجه آخر فإن الإنسان يجد نفسه في أحيان كثيرة عاجزًا عن إدراك أوضاعه الخاصة، من أفق مستقل ومنفصل، مما يحمله على مقارنة نفسه بغيره، وهذه المقارنة كثيرًا ما تجلب ازدراء النعم التي أسبغها الله -تعالى- عليه، ومن هنا ورد التوجيه الكريم من النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن ينظر المسلم في أمور الدنيا إلى من هم دونه حتى يشعر بما تفضل الله به عليه من الخير والبركة والنعمة. السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يستطيع الواحد منا أن يحمي نفسه من مشاعر البؤس والحرمان، وكيف يستطيع بلورة رؤية شخصية، خلاصتها: أن الحياة فرصة، ومقدمة لخير عظيم؟

الجواب على هذا التساؤل طويل، وله ذيول وامتدادات كثيرة، لكن أود أن أشير إشارة سريعة إلى ثلاث نقاط جوهرية:

1)إن في إمكان المسلم أن يستظل بأمان الله ورحمته ولطفه وأن ينتظر حسن موعوده من خلال المزيد من التنفل والتقرب والتذلل والإخبات والمناجاة، وحين يسلك المؤمن هذا المسلك في إغناء الروح فسوف يُفاجأ بحجم المسرات التي ستغمره، وما أعظم قول الله تعالى في الحديث القدسي:"وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطيّنه، ولئن استعاذني لأعيذنّه"رواه البخاري. إن العبارات لتعجز فعلًا عن وصف كرم الله -عز وجل- ورحمته بعباده، وليس علينا إلاّ أن نباشر العمل لنقطف الثمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت