فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 292

3-رجل المبادئ يبرهن على تمسكه بمبادئه من خلال تمحوره حولها، واعتزازه بها، على حين أن الذين لا تشكل المبادئ بالنسبة إليهم أكثر من تكميل شكلي أو ظاهري (ديكور) يذهبون في التمحور مذاهب شتى، فهذا يتمحور حول المنصب الذي احتلَّه، وذاك يتمحور حول الأسرة التي ينتسب إليها، وآخر يتمحور حول الثروة جمعها... إنهم جميعًا يعتزون بأشياء صنعها غيرهم أو أشياء يستعملونها بأيديهم... أما الذين يتمحورون حول مبادئهم فإن مصدر اعتزازهم هو تلك الأشياء العظيمة التي صنعوها لأنفسهم في أنفسهم! إن الحياة لا تكون ثرية وسعيدة وقيِّمة إلا إذا كان في قلوب الذين يحيونها معان ورمزيات يُضحّى بالحياة نفسها من أجلها، وهذا هو الدرس البليغ الذي يلقيه علينا الشهيد!

حول تنمية الشخصية (7)

د. عبد الكريم بكار 4/6/1428

فشل النجاح

كثيرون أولئك الذين يملكون المقومات والمعطيات الكافية لأن يكونوا رجالًا عظماء، لكنهم لم يصبحوا عظماء، ولكل منهم أسبابه الخاصة. يقول (أرنولد توينبي) أشهر مؤرخي بريطانيا في العصر الحديث:"إن في إمكانك أن تلخص بشكل جيد تاريخ المجتمع ومؤسساته في أربع كلمات:"لا شيء يفشل مثل النجاح". هذا القول من ذلك المؤرخ المفكر يلخّص مشكلة كبرى وعامة يقع فيها عادةً خواص الناس والبارعون منهم، وهي تستحق فعلًا أن نسلِّط الضوء عليها لعلنا نجد مدخلًا للتعامل معها. وهذه مقاربة أولية لها:"

1-معظم أنشطتنا ليس عبارة عن مبادرات ذاتية نطلقها بناء على رؤية شاملة وواضحة لما ينبغي أن نقوم به، وإنما هي ردود أفعال على التحديات المحيطة بنا. هذا رجل لديه ثلاثة من الأولاد، عزم في وقت مبكر على أن يعلمهم التعليم الجيد، وبما أن ذلك الرجل كان يعيش في منطقة نائية، ومستوى التعليم فيها منخفض، فإن أعلى شهادة سمع بها، وكان يطمح إلى أن يحصل عليها أبناؤه الثلاثة هي (الثانوية) ، وقد بذل الرجل جهدًا مشكورًا في تمكين ابنه البكر من الحصول على تلك الشهادة، وقد نجح فعلًا في ذلك، وأحدث استجابة جيدة للتحدي الذي كان أمامه. بعد خمس سنوات انتقل الرجل إلى السكن في العاصمة حيث الجامعات والمعاهد العليا، وحيث الكثير من الشباب والرجال الحاصلين على الإجازات الجامعية وما فوقها، لكن صاحبنا لم يلتفت إلى ذلك، وظلت أمنيته العظمى أن يحصل أولاده على الثانوية، وقد حدث ذلك فعلًا، وذهب الثلاثة للبحث عن وظائف، وكانت المفاجأة المؤسفة؛ فشهادة الثانوية تعني في البادية أن صاحبها يمتلك نوعًا من الريادة الثقافية، وهو أكبر من كل الفرص والوظائف المتاحة هناك، لكنْ في العاصمة الأمر مختلف جدًا، وأخذ الثلاثة يبحثون عن عمل يمكِّنهم من العيش الكريم عند حدوده الدنيا، فلم يجدوا، وصاروا عالة على أبيهم! وهكذا فإن السكنى في العاصمة تتطلب من الأب وأبنائه إطلاق استجابة جديدة من خلال الحرص على نيل أعلى الشهادات المتاحة في العاصمة، وهذا ليس من باب الكماليات، وإنما هو ضروري جدًا من أجل الحصول على مرتب يكفي لسد نفقات العيش في العاصمة.

هذا يعني أن الفشل يولد من رحم النجاح، وذلك حين يقف نجاحنا عند مستوى معين، وحينئذ فإن الناجح يتحول إلى فاشل أو مخفق!

2-قد رأينا في الجامعات شبابًا ممتازين جدًا، وعلامات النباهة والنبوغ ظاهرة عليهم، وقد تخرّجوا فعلًا بتقديرات عالية، ونالوا الأوسمة والدروع... لكن بعد التحاقهم بوظائفهم أفل نجمهم، ولم نعد نسمع عنهم أي شيء، وبعضهم صار أقل من عادي! وهناك خطباء لامعون أثّروا في مرحلة من المراحل في أعداد كبيرة من الناس، ثم انطفؤوا كما تنطفئ الشمعة، وصاروا في حكم المنسوخ، بسبب قدوم جيل جديد من الخطباء الشباب، وهناك مؤلفون أتحفونا بكتب ممتازة، تكشف عن موهبة وقدرة عالية على الفهم والتحليل، ثم غابوا عن الساحة من عشرات السنين، فلم نعد نطّلع على أي جديد نتيجة قرائحهم... أمثلة كثيرة تفوق الحصر، وهي تدعو إلى الأسى؛ لأن الأمة في أمس الحاجة إلى هؤلاء وأولئك ولكن....

3-قالوا قديمًا: ليس المهم أن تصعد إلى القمة، لكن المهم كم تستطيع أن تمكث هناك. اليوم صار الصعود إلى القمة أمرًا عالي التكاليف بسبب كثرة المنافسين وتشعب المجالات وكثرة المستويات، لكن الفرص أيضًا زادت والوسائل المساعدة على الارتقاء والتقدم في زيادة مستمرة، أما البقاء في المقدمة المحلية أو الإقليمية فهو ممكن لمن يدفع ثمنه، وربما كان من جملة الثمن الآتي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت