لا أستطيع في مقال أو مقالين أو حتى عشرة مقالات -وكذلك غيري- رصد التطورات التي باتت تشكل نبض الحقبة الزمنية الراهنة، فالموضوع كبير جدًا، لكن سأركز حديثي عن شيء من المستجدات التي تتعلق بتنمية الشخصية في مجال الوظائف والأعمال وفي الحياة العامة أيضًا، وهذا مما يهم الشباب الطامح والساعي إلى تغيير وتحسين وضعه الوظيفي، ولعلي أشير في هذا السياق إلى الملاحظات الآتية:
1-نحن الآن قد غادرنا الأدبيات التي كانت سائدة في العصر الصناعي، مع أن كثيرًا من المسلمين وغيرهم لم يدخلوا ذلك العصر، وهذا مما يثير الحزن! والعصر الجديد هو عصر المعرفة والمعلومات وعصر الخدمات، حيث تحل الخدمات والمنتجات غير الملموسة محل المنتجات والسلع، مما يشير إلى شيء من التحوّل في حاجات الناس، وأنت ترى كيف أن الفرد الواحد ينفق سنويًا على تجديد حاسبه الشخصي وعلى جواله الألوف، مع أن ما يحصل عليه من وراء استخدام هذا وذاك شيء لا يرى، ويصعب تقويمه وتثمينه كون قطاع الخدمات أصبح هو القطاع المهيمن على حركة الإنتاج في كل الدول المتقدمة، والمتجدد والنامي بسرعة في باقي دول العالم -يعني أن الإنسان اليوم بات على ارتباط وثيق ليس بالآلات ولا بالمواد الأولية، وإنما بالناس من حوله؛ إذ سيجد كل واحد نفسه في المستقبل غير البعيد إما في موقف مقدم الخدمة، وإما في موقف المتلقي لها، ولهذا شرح طويل لسنا في حاجة إليه الآن، لكن الذي تعنيه هذه الوضعية هو أن كل واحد منا صار محتاجًا إلى وقفة طويلة يتفحص فيها ذاته، ويراجع مدى ما يتمتع به من لياقة ذهنية وأخلاقية وشعورية واجتماعية، فالتعامل المكثف مع الناس يثير الكثير من التوترات، ويحتاج إلى الكثير من الشفافية والتهذيب والانضباط الذاتي، وهذا كله لا يتم إلاّ إذا استطاع المرء وضع يده على الزوائد الضّارة والسلبية في شخصيّته كي يشذّ بها، ويتخلّص منها، ومن المعروف أن الناس كلّما درجوا في سُلَّم التحضر صاروا يتوقّعون ممن يخالطونهم، وممن يقدمون الخدمات لهم درجة أكبر من اللطف والحساسية الأخلاقية، ودرجة أكبر من التقدير لظروفهم الشخصية، وهذا يعني أن مسألة الارتقاء بالذات ليست شيئًا نتفكّه به، أو شيئًا ترفيهيًّا، وإنما هو شيء جوهري لكل من يريد النجاح في عمله وفي حياته الاجتماعية على نحو عام.
2-فيما مضى كنا نتحدث عن مسألة التزام الموظف بالحضور في الوقت المحدَّد وانصرافه كذلك في الوقت المحدد، كما كنا نتحدث عن ضرورة عدم التشاغل بأي شيء خارج عن طبيعة عمله أثناء وجوده في ذلك العمل، والحديث في هذا الشأن مازال مستمرًا لدى الكثيرين، لكن يُلاحظ أن الوضعية الجديدة للوظائف باتت تتطلب شيئًا أكثر من مجرد الحضور والانصراف، إنها تتطلب ألاّ يفكر الموظف في مسألة الدوام والعمل عامة على أنه طرف متعاقد مع جهة لها مصلحة مختلفة، إن عليه أن يعمل كما لو كان هو صاحب العمل أو شريكًا فيه، وهناك جهود كثيرة تُبذل وعلى أكثر من صعيد من أجل ترسيخ شعور جديد بالمسؤولية لدى العمال والموظفين تجاه أعمالهم، هذا الشعور يستهدف سلوكًا وظيفيًا جديدًا يتعامل مع العمل وكأنه شيء مصيري، في نجاحه نجاح الجميع ونجاتهم، وفي إخفاقه إخفاق الجميع وغرقهم؛ إذ من السهل جدًا أن يجد المرء نفسه في العراء من غير أي دخل، فالفصل اليوم يتم عن طريق الكمبيوتر وحساباته، كما أن كثيرًا من المؤسسات والشركات باتت تُغرق موظفيها بالرواتب العالية والمكافآت والميزات السخية، وبعضها يخصص للعاملين لديها جزءًا من الأرباح، وهذا كله يتطلب من الشاب الذي يريد بناء سيرة ذاتية جيدة، ويريد الارتقاء في السلم الوظيفي أن يغضّ الطرف عن مسألة الدوام والعمل ساعات محددة في اليوم، وأن يغضّ الطرف عن المناسبات الاجتماعية التي تعوّد حضورها، حتى شؤون أسرته، فقد يكون عليه أن يبحث عمّن يساعده في تدبير بعضها... هذا هو المنطق الجديد، وسواء أكان عادلًا أو ظالمًا، صحيحًا أو خاطئًا، فإنّ على ذوي الطموحات العالية أن يراعوه، ويتعاملوا معه باهتمام بالغ.
3-التربية التي تلقيناها كانت تؤكد من غير ملل على البطولة الفردية والنجاح الشخصي، ومع أن ذلك ينافي الروح الإسلامية إلاّ أن النجاح في الحياة والأعمال لم يكن يتطلب تأهّل الإنسان للعمل ضمن فريق أو بوصفه جزءًا من منظومة متكاملة، أما اليوم فإن الأمر مختلف جدًا؛ إذ إن قطاع الخدمات -الذي يشكل كما أشرنا القطاع الحي والرئيس بين قطاعات الإنتاج -حساس جدًا للخلافات والنزاعات التي يمكن أن تقع بين أفراد المجموعة الواحدة، كما أن تقديم أفضل خدمة يتطلب درجة عالية من الانسجام الروحي بين أفراد الفريق الواحد ودرجة عالية من الصبر والتعاون والتضحية غير المشروطة، ولهذا فإن الشركة أو المؤسسة الممتازة تحارب بلا هوادة المكايدات والمناكفات التي يمكن أن تنشأ بين بعض العاملين لديها، ولعل من أهم سمات الشخص الصالح للعمل ضمن فريق هي السمات الآتية:
1-قدرة عالية على الإصغاء وسماع النصح.
2-مساعدة بعض أعضاء الفريق في بعض مهامهم.
3-المحافظة على أسرار العمل.