فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 292

والحقيقة أنني شخصيًا لا أكاد أحصي الذين سمعت منهم هذا الكلام من أبناء زماننا. وأجزم أن كل الذين يقولون ذلك لم يفكروا في يوم من الأيام في الآليات التنفيذية . وفي حجم الأموال الهائلة التي يتطلبها القضاء على الفقر في دولة تحكم أجزاءً واسعة من العالم خلال مدة زمنية قصيرة جدًا في عمر الشعوب والحضارات.

إن هذا الخبر الذي يعتمدون عليه لو صحّ، فإنه في نظري لا يعدو أن يكون حدث في حي من الأحياء أو قرية من القرى أو قبيلة من القبائل، وليس هناك أي فرصة موضوعية لوقوعه فيما هو أوسع من ذلك وذلك للأسباب الآتية:

1-إن الخلاص من الفقر في دولة منتشرة على مساحات ممتدة في آسيا وأفريقيا في سنتين أو عشر سنوات أمر في غاية البعد إن لم نقل إنه في حيز المستحيل العادي؛ لأنه يستلزم أولًا تعريفًا للفقر تجري على أساسه مساعدة الفقراء. وهذا التعريف معقد - كما هو الشأن في تعريف البطالة- ولم يكن متيسرًا آنذاك.

ويتطلب ثانيًا القيام بمسح واسع النطاق لمعرفة مستحقي المعونة، وهذا يتطلب تشكيل مئات ألوف اللجان التي تقوم بذلك. وبما أن أقاليم الدولة متفاوتة في الغنى والفقر تفاوتًا شديدًا؛ فإن عوائد الدولة وجباياتها في الأقاليم الفقيرة لا تسد حاجة الفقراء، ومن ثم فإن هذا يعني القيام بعمليات نقل واسعة ومكثفة للأموال والأشياء والأرزاق من الأقاليم الغنية إلى الأقاليم الفقيرة. وهذا كله على افتراض وجود فائض في بعض الأقاليم؛ وهذا غير ثابت. وعلى كلٍّ فليس لدينا أخبار تاريخية تدل على أن ذلك النقل الكثيف قد تم فعلًا، وهو في أحيان كثيرة لم يكن ممكنًا بسبب الحكم (الفيدرالي) الذي كان سائدًا، وبسبب صعوبة المواصلات بين الأقاليم الإسلامية المختلفة.

2-هناك ألوف الأخبار المنثورة في كتب التاريخ والتراجم والتي تدل على أن رجالًا كثيرين من أعلام الأمة وعلمائها وصالحيها كانوا يشكون في فترة حكم عمر بن عبدالعزيز من الفقر وقلة ذات اليد. والذين لم يذكر لنا التاريخ عنهم أي شيء يبلغون مئات الأضعاف لهؤلاء. فهل نصدق خبرًا واحدًا ونضرب بتلك الأخبار الكثيرة جدًا عرض الحائط؟!

3-بعض فقر الفقراء يحتاج إلى علاج خاص، وبعضه لا يستطيع أحد علاجه حين يكون فقر الإنسان بسبب كسله وعدم رغبته في العمل؛ فإن الناس يعرضون عن مساعدته، بل يشعرون بأن مساعدته خطأ. وحين يكون فقره بسبب سفهه وتبذيره وسوء إدارته للمال؛ فإن هذا لا يساعده الناس. وإذا ساعدوه لم ينتفع بمساعدتهم.

بعض الفقراء يكونون أيتامًا أو أرامل ومعوقين، وهؤلاء يحتاجون إلى ملاجئ ودور رعاية وجمعيات خيرية ومن غير ذلك تصعب مساعدة العديد منهم.

4-من أين جاءت الأموال لعمر بن عبدالعزيز - رحمه الله- حتى أغنى الناس، ولم يبق فيهم من يأخذ أو يستحق الزكاة؟

الذين يقولون بذلك يذهبون إلى أن عمر حسَّن نظام جمع الزكاة والخراج والجزية فصارت الأموال تذهب إلى خزينة الدولة عوضًا عن أن يضيع كثير منها بسبب الرشوة أو بسبب سرقة الجباة. كما أن الله - تعالى- يبارك في الرزق وينشر فضله ومعونته حين يسوء الصلاح ويتولى الأمور رجال أخيار من نوعية عمر بن العزيز.. وهذا الكلام صحيح جزئيًا.

وقد كان إصلاح الأحوال في الأقاليم البعيدة عن مركز الخلافة -ومعظمها كذلك- أعظم مشقة بسبب صعوبة الاتصال. لكن الهدر الذي كان يحدث بسبب فساد نظام الجباية لا يشكل في أي حال رقمًا ضخمًا، ينقل الأمة من حال الفقر إلى حال الغنى.

5-علينا بعد هذا أن تساءل هل فريضة الزكاة شرعت أو روعي في مشروعيتها ألا يبقى في المجتمع المسلم فقيرًا؟ وهل هذه النسبة القليلة كافية لسد حاجات الفقراء في كل الأحوال؟.

لا أعرف آية أو حديثًا فهم منه أئمتنا أن الزكاة إذا أديت على أكمل وجه في مجتمع أو إقليم تم القضاء على الفقر فيه. ولا أعتقد أن من يملك درجة متوسطة من الفقه يُقدم على القول بذلك. إن أفضل عصر أديت فيه الزكاة، وكانت الرغبة فيما عند الله أو أوجها هو عصر النبي - صلى الله عليه وسلم-، ثم عصر الخلفاء الراشدين . ولم يتم الفضاء على الفقر لا في مركز الدولة (المدينة المنورة) ولا في غيرها. وفي أمريكا أو أوروبا يدفع المواطن أحيانًا ما يصل إلى 60 أو 70% من دخله ضرائب للدولة، أي عشرات أضعاف الزكاة، ومع هذا فإن في تلك المجتمعات فقراء وبائسين كثر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت