3-نحن لا نستطيع في كل الأحوال أن نقوم بعملية الانتقاء التي نريدها فالغرب ليس (سوق خضار) تتسوق منه ما شئت وتدع ما شئت لأصحابه؛ حيث إن هناك ارتباطًا وثيقًا بين الأخلاق والسياسة وبين الأخلاق والاقتصاد وبين الاقتصاد والسياسة، وبين كل هذه الأشياء وبين الاجتماع والتربية والتعليم. فإذا أردت أن تقتبس أسلوبًا أو نظامًا من أي مجال من هذه المجالات؛ فقد يقتضي الأمر أن نقتبس ما يرتبط به في مجال آخر، مما لا يلائمك ولا يرضيك. ينظر الغرب إلى التعددية الفكرية والسياسية على أنها أحد مصادر قوته وتميزه، لكن لولا تجرد الغرب من العقيدة الدينية لما أمكن له الحصول على تلك التعددية على النحو الموجود الآن.
حيوية الاقتصاد الغربي قائمة على الربا والتأمين والضرائب العالية وعلى النفوذ السياسي العالمي لدولة وقدرتها على تأمين مواد خام رخيصة وفتح أسواق لمنتجاتها.
المرأة في الغرب تعلمت وأبدعت وعملت في كل المهن والأعمال وحازت درجة عالية من الوعي واستقلال الشخصية... وكان ذلك في أحيان كثيرة على حساب كرامتها وحشمتها وعفتها، كما كان على حساب سلامة البناء الأسري... وهكذا فإن أخذ ما ينفعنا من الغرب قد يقتضي أن نأخذ معه ما لا ينفعنا ولا تبيحه عقائدنا ومبادئنا؛ فتفكيك المنظومات الحضارية أو تغريق الصفقة - كما يقول الفقهاء- ليس ممكنًا في كل الأحوال، وحين يكون ممكنًا فقد لا يكون مجديًا، فكيف يكون العمل؟.
4-إذا فرضنا جدلًا أننا تجاوزنا كل المحاذير السابقة؛ فإننا سنواجه مشكلة الفجوة بين النظرية والتطبيق- هي فجوة أبدية-. فالتنظير يتم دائمًا على نحو طليق من القيود، وعلى أساس توفر كل الإمكانات المطلوبة للتنفيذ، لكن حين نأتي للتطبيق فإنه تواجهنا مشكلات كثيرة لم تخطر في بال المنظَّر، كما أن الإنسان حين يأتي للعمل يضطر إلى الدخول في موازنات دقيقة لا تُعرف ولا تُحسب وقت التخطيط. وهذا مثال يمكن أن نلاحظ فيه كل ذلك:
لدينا حكومة إسلامية شديدة الالتزام وعظيمة الوعي بطبيعة العلاقة التي تربطنا بالغرب، وأرادت أن تأخذ قرارًا بشأن علاقة أبنائها بعلوم الغرب. طبعًا لديها خيار إغلاق باب الابتعاث إلى الغرب على نحو نهائي وإذا فعلت ذلك فإنها ستشعر ويشعر مواطنوها أنهم حرموا من علوم مهمة للارتقاء بالحياة في بلادهم، وسوف يؤدي ذلك إلى تراجع الوضع العلمي والتقني في البلد. وهي مع ذلك القرار لا تستطيع أن تمنع من السفر أولئك الشباب الذين يريدون السفر للدراسة على نفقتهم الخاصة، إلا إذا قررت تحويل بلادها إلى سجن كبير.
اتخذت تلك الحكومة قرارًا بإيفاد طلابها للغرب من أجل الدراسة في تخصصات، تظن أنها ضرورية لتقدمها ونموها وقوتها، كما تظن أنها لا تشكل خطورة على عقيدة أبنائها وعلى خصوصيتهم الثقافية، كما هو الشأن في دراسة الطب والهندسة والكيمياء والفيزياء وغيرها من العلوم البحتة. وذهب فعلًا ألوف الشباب من أبنائها؛ وهناك تشعر الحكومة أنها فقدت جزءًا كبيرًا من السيطرة على أولئك الشباب؛ حيث إنها ستجد بين أولئك المبتعثين من لم يَرُق له التخصص الذي ابتعث إلى دراسته، فتحول من الطب إلى دراسة الأدب الإنجليزي أو الفلسفة أو إدارة الأعمال. وستجد بينهم من تعرف على بعض قرناء السوء، فوقع في شباك الرذيلة ومستنقع المخدرات. وستجد أيضًا من عزف عن الدراسة، وانخرط في مهنة من المهن يكسب منها قوته. وهناك من تزوج نصرانية بدافع الخوف من الفاحشة، فصارت فيما بعد أمًّا لأطفاله ومربية لهم... وهكذا فلم تستطع الدولة المسلمة أن تجعل أبناءها يأخذون من علوم الغرب ما هو نافع، ويعرضون عما هو ضار؛ لأن المسألة في غاية التعقيد.
ولك أن تقيس على هذا التحالف مع الغربيين في بعض الأمور والإقامة بين ظهرانيهم لكسب الرزق، حيث وجد كثير من أبناء المسلمين في الغرب الرخاء على حين ضاقت عليهم بلادهم، بالإضافة إلى الاستغاثة بالغربيين في تنظيم بعض الشؤون المحلية وغير ذلك.
كنت قد ذكرت في المقال السابق أني سأقدم مثالًا تاريخيًا حول تبسيط بعض الناس لأمور هي في غاية التعقيد، واليوم أحاول الوفاء بذلك، وسيكون هذا المقال عن شيء يتعلق بتاريخ الرجل الكبير عمر بن عبد العزيز - رحمه الله-؛ حيث إن عددًا غير قليل من الإسلاميين يعتقدون أن الدولة الإسلامية بإخلاصها وصدقها وإمكاناتها الهائلة تحمل معها أينما قامت مفاتيح الحلول الجذرية المذهلة لكل مشكلات الأمة. وهم يبرهنون على ذلك بالإصلاح الواسع النطاق الذي قام به ذلك الرجل في فترة زمنية قياسية لا تزيد على سنتين إلا قليلًا. وكان من جملة إصلاحاته الباهرة قضاؤه على الفقر في الدولة الإسلامية.
ويستندون في ذلك إلى خبر يفيد أن الخير فاض في زمن عمر إلى درجة أن بعض الولاة أرسلوا إليه يستشيرونه فيما يفعلونه بأموال الزكاة التي جمعوها ولم يجدوا فقراء يوزعونها عليهم، فما كان منه إلا أن أرشدهم إلى أن يشتروا بهم عبيدًا ويقوموا بإعتاقهم .