فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 292

3-إن الآية الكريمة صريحة في أن نسيان الله تعالى كان سببًا مباشرًا في جعل المرء ينسى نفسه ، وكأن الذي يضيّع نفسه في عاجلها وآجلها ، يضيّع الدنيا فتلفه المشكلات من كل صوب ، ويضيع الآخرة بخسران النجاة والفوز بالجنة .

إن نسيان النفس ليس على درجة واحدة ، وإن الضرر الذي سيلحق الناس سيكون بالتالي متفاوتًا ، وعلى مقدار النسيان والتضييع لأمر الله تعالى سيكون التضييع للنفس والدنيا والآخرة .

إن خسران الآخرة للذين ينسون الله ، واضح المعالم ، ويستوي في معرفته العامة لدينا والخاصة ، لكن التضييع لأمر الدنيا هو الذي يحتاج إلى نوع من البيان ، ولعلنا نجلوه في النقطتين التاليتين:

-إن عصر المعلومات الذي يظلنا الآن سيكون والله أعلم أقصر العصور الحضارية ، وسوف يعقبه عصر آخر ، هو عصر (الفلسفة) وبحث المسائل الكلية ، وستطرح الأسئلة الكبرى: من أين جئنا ، ولماذا نحن هنا ، وإلى أين المصير ، ما حدود الطبيعة البشرية ، وما ماهية الخير والشر .. ؟ وإنما نقول ذلك ؛ لأن قراءة التعاقبات التاريخية ، تنبئنا أنه حين تصل حالة مّا إلى حدود متقدمة ، تبزغ من الطبيعة البشرية حالة مضادة لها ؛ فحين تشتد العقلانية أو التقنيّة في أمة ، فإن أشواقًا تنبعث لكسرها ، فينبثق من العقلانيّ العاطفيّ ، ومن التقنيّ الفلسفيّ والفكريّ ، إنه أحد مظاهر سُنّة التوازن التي بثها الخالق جل وعلا في هذا الكون !

ولذا فإن الهمجيّين وسوقة السوقة وحدهم ، هم الذين لا يتشوّفون إلى معرفة مصيرهم النهائي ، وإلى معرفة الغايات الكبرى للوجود !

حين تصير البشرية إلى هذه المرحلة ، سيكتشف الذين نسوا الله ، أنهم لا يملكون أي جواب جازم ، أو مُقْنع على الأسئلة الكبرى المثارة بإلحاح ، بل سيجد الغرب على نحو خاص أنه قد أحرق كل سفن العودة إلى (الوحي) الذي يُعد المصدر الوحيد الذي يجيب على تلك الأسئلة .

وقد كان (أينشتاين) يقول: (إن حضارتنا تملك معدات كاملة ، ولكنها تفقد الإحساس بالأهداف الكبرى) ! .

إن كل إصلاح لشؤون البيئة والاقتصاد ، وإن أي نوع من المحافظة على منجزات البشرية ، سيقتضي من اليوم فصاعدًا تقدمًا ملحوظًا على صعيد (الإنسان) وما لم يحدث هذا التقدم ، فإن كل شيء سيكون في مهب الريح ! !

والملاحظ بقوة أن الحضارة الحديثة بصبغتها المادية ، قد نقلت مجال السيطرة من الإنسان إلى الأشياء ، حيث أضعفت إرادة البشر ، وأحاطتها بكل ما يخل بتوازنها ، وهذا يعني أن الحضارة الغربية ببنيتها الحاضرة ليست مؤهلة للنهوض بالإنسان .

إذا كنا نعتقد أن الطبيعة البشرية واحدة ، فهذا يعني أن غايات وجودها يجب أن تكون واحدة ، وهذا هو منطوق الوحي ، وهذا ما لا يبصره الإنسان العلماني اليوم ! !

لن تكون الأسئلة المثارة أصيلة إلا إذا كان لها أجوبة موجودة عند جهة مّا وهذه الجهة لن تكون أبدًا الإنسان ، فمن تكون إذن ؟ ؟

إن العقل البشري خلقه الله تعالى ليكون في الأصل عقلًا عمليًا ، وهو في عمله يشبه (الحاسوب) ، وهو كالحاسوب لا يستطيع إدخال تحسينات جوهرية على المدخلات التي يُغذى بها ، وسيكون الأمر مضحكًا إذا عمدنا إلى تشغيل العقل البشري وتحسين طروحاته وعمله بشيء من منتجاته التي تولى تنظيمها الفلاسفة ، وهم الذين لم يفلحوا في الاتفاق على أي شيء ! ! . إن كل شيء اليوم يتقدم إلا الإنسان فإنه في تدهور مستمر ، وإن مما يثير الفَزَع أنه على مدار التاريخ كان التقدم المادي والعمراني مشفوعًا بانخفاض في وتائر التدين والسمات الإنسانية الأصيلة ، مما يدل على أن الإنسان لا يستطيع أن يوازن بين مطالبه الروحية والجسدية ، دون عون من خالقه .

ولكن المؤسف مرة أخرى أننا لا نريد أن نعترف بذلك ؛ لأن ذلك يقتضي منا تغييرًا هائلًا ، نحن غير مستعدين الآن لدفع تكاليفه !

إن نسيان الله تعالى قد أفسد النسيج الإنساني كله ، وحين يفسد النسيج العام ، فلن يكون ثمة فائدة تذكر من وراء التعليم والتدريب والتربية ، وكيف يمكن إصلاح خبز أو كعك أو فطير فسد طحينه ؟ !

إن ضعف الإنسان على مدار التاريخ كان من عوامل استمرار بقائه ، أما اليوم فقد اجتمع له القوة الغاشمة مع الطيش الشديد ، وهذا ما سيسبب الكوارث ما لم يحدث انعطاف كبير في اتجاه الرشد والهداية والتدين المبصر الأصيل .

ب - إن المهمة الأساسية للرسل عليهم السلام أن يبصّروا الناس بما يجب عليهم تجاه خالقهم ، وأن يذكّروهم الدار الآخرة ومطالب الفوز فيها: { رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ } [غافر: 15] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت