فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 292

2-تعني المراجعة الشخصية أننا نأمل من درأ استعراض تاريخنا الخاص أن نتعلم وننضج أكثر مما يمكن أن نحصل عليه من ذلك إذا ما نظرنا في تاريخ الآخرين وسيرهم الخاصة. إن سجل حياة كل واحد منا مملوء بالمؤشرات ذات الدلالات الكبيرة والواضحة. إذا تأمل الواحد منا في مجموعة الرؤى التي كانت تشكل نظرته للحياة والأحياء، فسيجد أن كثيرًا من تلك الرؤى انتهى إلى غير رجعة بسبب الوعي الذي حصلنا عليه عبر معاناة شؤون الحياة؛ كما أنه سيجد أن بعضها قد تبلور أكثر وتعمق، بل تحوّل إلى معتقدات ومسلّمات راسخة. وسيجد قسمًا ثالثًا مازال موضع نظر وتمحيص. وإن هذه الأقسام الثلاثة على ما بينها من تباين تعمل على خط واحد، هو جعل المرء يعتقد أنه مازال في حالة من النمو والصيرورة والانتقال من حال إلى حال. وهذا الاعتقاد هو الذي يحفزنا على أن نتحسس مآلات أوضاعنا وتسليط نور الوعي عليها؛ كي نشعر أننا نتقدم في مدارج الصلاح والازدهار، وأننا نحرز نوعًا من التفوق المستمر على أنفسنا. ومن وجه آخر فإن من الصعب على الواحد منا أن يقوم بدوره التربوي تجاه أبنائه من غير أن يتذكر الوضع السلوكي والعقلي والروحي الذي كان فيه في مرحلة الطفولة والمراهقة. إن كثيرًا من الأسر المسلمة يشهد نوعًا من (صراع الأجيال) بسبب فقدان الوسيط الثقافي الذي ينقل عبره الآباء أفكارهم ومشاعرهم وقيمهم إلى الأبناء، وبسبب الجهل بطبيعة المراهق، وما يتعرض له من ضغوط، وما يواجهه من أزمات ومشكلات. المراجعة الشخصية تتيح الفرصة لمقارنة ما عليه أبناؤنا اليوم بما كنا عليه يوم كنا في مثل أعمارهم، ومن خلال المقارنة ندرك كُنْه المواقف التي علينا أن نقفها تجاه أوضاعهم وتصرفاتهم المختلفة.

3 -من خلال التبصر الذاتي سندرك أن كثيرًا من الأخطاء التي وقعنا فيها كان بسبب الجهل: جهل بعظمة من نعصيه، وجهل بالطريقة الصحيحة التي علينا أن نعالج بها الأمور، وجهل بأنواع قصورنا وضعفنا. ونحن نريد من خلال معرفة كل هذا أن نتعلم كيف نحمي أنفسنا في المستقبل من الوقوع في مثل ما وقعنا فيه. وهذا الغرض النبيل لا يتحقق من غير تحليل عميق لطبيعة الطموحات والتطلعات التي تحركنا، وطبيعة الحوافز والمحطات التي تنظم ردود أفعالنا تجاه الأحداث المختلفة. وسيظل مثل هذا التحليل ممكنًا إذا تحلّينا بالهدوء، ومنحنا أنفسنا الفرصة الكافية للقيام بذلك، إلى جانب امتلاك ما يكفي من الإرادة والاهتمام.

المراجعة الشخصيّة 2/2

د. عبد الكريم بكار 14/12/1426

تحدثت في المقال السابق عن ثلاث نقاط تتعلق بمسألة المراجعة الشخصية، وفي هذا المقال أعرض لباقي ما لديّ في هذا الشأن:

4-سيظل من مهامنا الشخصية الأساسية العمل على إدراك الفرق بين ما هو كائن في أوضاعنا الشخصية، وبين ما ينبغي أن نكون عليه. وتنبع أهمية هذه المسألة من كونها المصدر الأساس لبلورة وعينا بالطموحات والتطلعات والأحلام التي تحركنا، وتحدد اتجاهاتنا. البداية ستكون في محاولة تحديد الوضعية القائمة الآن، وذلك من خلال طرح عدد من الأسئلة، من مثل: كيف أقيّم درجة التزامي بأمور ديني؟ هل أنا ممن يستفيدون من أوقاتهم على نحو جيد؟ هل رؤيتي للمستقبل واضحة؟ هل أوظف طاقاتي على نحو جيد؟ هل أعطي علاقاتي مع الناس حقها من الرعاية والاهتمام...؟ هل ...؟

ليست عملية تقييم الحالة الراهنة لأي واحد منا بالأمر السهل كما نرغب أن تظهر في معظم الأحيان، لكن أعتقد أن المرء مهما كانت معاييره غامضة، يظل يمتلك من الأحاسيس والمشاعر والمؤشرات ما يمكّنه في النهاية من الحصول على أشياء ذات قيمة؛ والله -عز وجل- يقول: (بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) (القيامة:14-15) . بعد هذا ننتقل إلى تحديد ملامح الوضعية التي نتطلع أن نكون عليها في مختلف شؤونها ومن الواضح جدًا في هذا السياق أن معظم الناس لا يعرفون ماذا يريدون؛ إن لديهم أحلامًا وتطلعات، لكنها غير محددة، ولا يملكون للوصول إليها أي برامج أو توقيتات زمنية معينة، وهذا هو السبب الذي يدفعهم إلى التحدث عما لا يريدون، وعن الأشياء التي لا تعجبهم، ولا يرتاحون إليها. الذين يعرفون ماذا يريدون تشكل طموحاتهم ما يشبه الهاجس، وهم باستمرار يسألون، ويستشيرون، ويتعلمون. قد يكون مما يساعد على تحديد الوضعية التي نتطلع إليها -السعي إلى تحديد عدد من المجالات المتعلقة بحياتنا الشخصية، مجال السلوك الشخصي، مجال الحياة الأسرية، مجال العمل، مجال الحياة الاجتماعية، مجال الصحة الجسمية، مجال الثقافة والصحة العقلية والنفسية الخ... وفي كل مجال من هذه المجالات وغيرها نحاول أن نحدد ما الذي نريد الحصول عليه. من خلال معرفة ما هو كائن ومعرفة الذي نريده أن يكون تتضح لنا المسافة الفاصلة بينهما. وهي مسافة تشبه المساحة الفاصلة بين الصحة والمرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت