فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 292

1-إننا حين نستخدم أدوات مثل (لكن) و (إلا) و (ربما) فإننا نعبِّر في الحقيقة عن عدد من المعاني، قد يكون أهمها الشعور بقصور النظام اللغوي الذي نستخدمه. ونحن نعرف أنه ليس هناك نظام لغوي كامل، وذلك القصور كثيرًا ما يتجلى في قصور القواعد التي نعبر من خلالها عن الظواهر، مما يلجئنا في النهاية إلى استخدام أدوات تدل على الاستثناء، ونحن نعبر عن ذلك القصور بقولنا:"لكل قاعدة شواذ"، إلى جانب الشعور بعدم كفاءة النظام اللغوي نشعر أننا نتحدث عن ظواهر مركبة، يصعب التعبير عنها بجمل جامعة أو بجمل بسيطة ومختصرة، ولهذا الشعور دلالة على النضج الفكري الذي يتجسد في الوعي على امتلاك الرؤى المركبة ذات الأبعاد المتعددة. إن الأطفال ومَن في حكمهم ممن حُرم من التزوّد بالمعرفة الجيدة يقنعون بأي تعبير، ويسارعون إلى تصديق أي مقولة؛ لأنهم لا يملكون من النضج العقلي والثراء المعرفي ما يجعلهم يبحثون عن المهمل والمسكوت عنه والشاذ والقليل من الظواهر المطروحة للبحث والتداول. ولك أن تتخذ من هذا معيارًا للتقدم العقلي، فالذين يكثرون من الاستدراك والتحرز في كلامهم ويحاولون نقد المقولات والقواعد العامة يكشفون عن وعي بالطبيعة المركبة لمعظم ظواهر الوجود، والذي يحفزهم من جهته على الأناة في إصدار الأحكام واقتراح طرق المعالجة. أما الذين ما زالوا في أول طريق النضج، فإنهم يفرحون بحفظ القوانين العامة والجمل ذات الدلالات المطلقة، ويتضايقون ممن يجادلهم في شيء منها. وإن المتعمق في كثير من الحكم والأمثال الموروثة والحديثة يجد أنها تنزع إلى التعمق والتعبير المبسّط عن قضايا كبرى، لكنها تُتَلقّى من لدن كثيرين بشيء من الفهم الحرفي، مع أنها في الأصل رؤى وخبرات لأشخاص معينين، أي أنها نابعة من نظرة خاصة أو جزئية. وأتمنى أن يتفرّغ لإعادة النظر فيها بعض الباحثين النابهين بغية وضع الأمور في نصابها.

2-الرشد الفكري يعني أشياء عديدة، ومن أهم ما يعنيه وضوح الرؤية، وينبغي أن نفترض ابتداء أن المعرفة النامية والخبرة المتراكمة تتيح للمتأخر أن يرى ميزات الأشياء وسلبياتها على نحو أفضل من رؤية المتقدم لها. إن المتأخر أشبه بمن يقف على كتفي عملاق، فهو يرى ما يراه العملاق، وما لا يراه. لكن هذا لا يتم إذا اعتقدنا أننا محرومون من المواهب التي حبا الله بها السابقين، أو اعتقدنا أن كل ما قاله السابقون يظل أقرب إلى الصواب؛ على حين يظل ما نقوله نحن يظل أقرب إلى الخطأ. إن الله -سبحانه- أتاح للمتأخرين من الاطلاع على قوانين الكون أضعاف أضعاف ما أتاحه للسابقين؛ ولا مانع يمنع من أن نتمكن من كشف سنن نفسية واجتماعية وإصلاحية وتربوية كانت غائبة عن استيعاب معظم من سبقنا؛ فالمعطي الوهّاب رب السابقين واللاحقين، ولا على حاجر على فضله. إن هذا الكلام قد يثير الوحشة لدى بعض الناس، مع أن كثيرًا مِن تقدّمنا اليوم ربما كان مرتبطًا بالعمل وفق معطياته ولوازمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت