فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 292

أما الخيار الثاني فإنه يعني أن المطلوب منا الآن هو العمل على هزيمة الحضارة الغربية وهدم أركانها تمهيدًا لتشييد حضارة إسلامية تحل محلها. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل مثل هذا العمل ممكن أم أنه من الأمور شبه المستحيلة بالنسبة إلينا وإلى غيرنا؟

-وفي كل الأحوال هل يمكن للعالم الإسلامي أن ينشئ حضارة منافسة أو بديلة عن الحضارة الغربية وهو مشرذم وموزع على ما يزيد على خمسين دولة؟ وبالتالي فهل يكون علينا أولًا أن نسعى إلى توحيد المسلمين وجمع كلمتهم قبل أن نفكر في إنشاء حضارة بديلة أو منافسة؟ وإلى أي حد يمكن القيام بهذا الأمر في ظل التخلف الموجود الآن وفي ظل الارتباطات الوثيقة القائمة بين معظم الدول الإسلامية والدول الغربية، حيث إن العلاقات التجارية بين الدول الإسلامية أضعف بكثير من العلاقات القائمة بينها وبين الدول الغربية؟

-علينا بعد هذا أن نتساءل: لماذا لم نستطع عبر قرن ونصف من الزمان استيعاب التطورات الحضارية والتقنية والصناعية التي حدثت في العالم من حولنا، وما العوامل التي أدت إلى بقائنا على هامش الحضارة عوضًا عن أن نكون في لجتها؟

هل كان ذلك بسبب بعدنا عن الإسلام؟ أو كان بسبب الاستعمار وتآمره علينا؟ أو كان بسبب عدم وقوفنا من الغرب موقف التلميذ النجيب كما فعلت اليابان؟ أو كان بسبب تمسكنا بعادات وتقاليد بالية وموروثة عن عصور الانحطاط؟

إذا كان الجواب إن واحدًا منها هو السبب فكيف يتم التغلب عليه؟ وإذا كانت هذه الأسباب تقف مجتمعة وراء ما نحن فيه، فما وزن كل سبب منها في تعثر النهضة؟

في كل الأحوال كيف يمكننا أن نعمم هذه الأسئلة وأشباهها، وكيف يمكن إيصال ما يتبلور من أجوبة عليها على أمة تشكل اليوم أكثر من خمس سكان العالم؟

لم أرد من هذه التساؤلات بعث اليأس والدفع في اتجاه مغلق، وإنما أردت أن أوضح أن ما نظنه بدهيًا وسهلًا لا يكون دائمًا كذلك.

ذكرت في المقالة السابقة أن في إمكاننا جعل الأسئلة التي نلقيها على أنفسنا مفاتيح للفهم وأدوات لإيقاظ الوعي. والحقيقة أن المسيرة العلمية والبحثية تعتمد دائمًا على حركة جدلية مستمرة بين التحديات والاستجابة لها. التحديات كثيرًا ما تتبدى في أشكال من الأسئلة والتساؤلات. والاستجابة لها تتبدى في محاولات اكتشاف الأجوبة الصحيحة لها. وإن كل خطوة يخطوها العلم نحو الأمام تنطوي في أعماقها على طرف من الأسئلة وطرف آخر من الأجوبة. وهكذا فبعد كل جواب هناك سؤال جديد. ومن خلال جدلية السؤال والجواب ترتقي المعرفة وتتكشف سنن الله -تعالى- في الخلق، ويتحسَّن الفهم في حركة حلزونية صاعدة.

المنطق يقضي أن نطرح أولًا الأسئلة الكبرى، ثم نتدرج نحو الأسئلة الصغرى. وفي مجال التخلف والنهوض هناك سؤالان كبيران -كما سبق أن أشرت- الأول هو: لماذا تخلف المسلمون؟ أو لماذا تخلَّف المسلمون، وتقدم غيرهم؟

والسؤال الثاني: ما الذي علينا أن نقوم به من أجل النهوض بالأمة؟ وفي إطار هذين السؤالين لدينا بحر من الأسئلة الصغيرة. وأعتقد أن علينا حتى ننعم بخيرات التساؤل فإن علينا أن نجعل منه عنصرًا مهمًا في تكوين الجو الأسري في البيوت والجو التعليمي في المدارس. وحتى يتم شيء من ذلك على نحو مقبول فإننا في حاجة إلى شيئين أساسيين:

1-قدر ملائم من الحرية الفكرية والعلمية، حيث تحاول جهات عديدة إضفاء نوع من الاتساق الشكلي على الواقع السائد، والإيحاء بالتالي على أن ما هو قائم طبيعي أو الإيحاء بأنه (ليس في الإمكان أبدع مما كان) . والتساؤل يكسر ذلك الاتساق.

2-الشعور بعدم الاكتمال وأن الكمال شيء نرومه ونناهزه، وليس شيئًا نستحوذ عليه. والتساؤل أداة مهمة على طريق السعي نحو تلك المناهزة.

والآن لنطرح بعض التساؤلات الجزئية مع ذكر بعض ما يمكن أن يشكِّل إجابات لها:

-لماذا فقدت كلمة (الأخوة الإسلامية) رونقها إلى درجة تكاد تصبح معها خالية من أي مضمون؟!

هل لأن هذا هو الشيء الطبيعي في ظل تفتح الوعي على المصالح الخاصة؟ أو لأن تصويرنا لمعنى (الأخوة) كان يشتمل دائمًا على نوع من المبالغة؟ أو أن هذا يحدث بسبب ضعف الرابطة الإسلامية على المستوى السياسي فانعكس على المشاعر والمواقف الشعبية؟ أو أن السبب الحقيقي يعود إلى الانكفاء على الذات القطرية الذي نشاهده اليوم على مستوى العالم الإسلامي؟ أو أن السبب يكمن في ضعف الإيمان وضعف الالتزام حيث لا معنى للأخوة الإسلامية في ظل وهن الأساس الذي تقوم عليه؟ أو أن حساسيتنا نحو التنوع الثقافي عالية، مما يسبب لنا النفور من بعضنا بسبب ما لدينا من خصوصيات وأنماط سلوكية؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت