تقول عائشة- رضي الله عنها-:"دخل عليّ النبي - صلى الله عليه وسلم- وعندي امرأة . قال: من هذه؟ قلت: فلانة تذكر من صلاتها- أي تتحدث عن كثرة صلاتها- فقال: مه. عليكم بما تطيقون، فوالله لا يملّ الله حتى تملوا وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه".
وفي حديث مسلم عنه - صلى الله عليه وسلم-:"هلك المتنطعون"قالها ثلاثًا. والتنطع هو التعمق والتشدد في غير موضع تشديد. الشريعة الغراء تدعو إلى اليسر لأنه من أهم منطلقاتها، ولأن التجربة أثبتت أن الإيغال في أي أمر يكون في الغالب على حساب أمور أخرى؛ ومن النادر أن ترى رجلًا صرف جل اهتمامه وعنايته لأمور معينة دون أن يقع في التفريط في أمور أخرى، لا تقل في أهميتها عما يبالغ في العناية به، فالكيف كما ذكرت لا يكون إلا على حساب الكم.
في المقال القادم سأتناول بإذن الله - تعالى- بعض التطبيقات المعاصرة لمسألة خسران الأشياء التي تحمَّلها فوق طاقتها.
ومن الله الحول والطول.
ذكرت في المقالة السابقة أن لكل شيء طاقة محدودة على التحمل، وأن علينا مراعاة تلك الطاقة، وإذا لم نفعل ذلك؛ فإننا سنخسر ذلك الشيء. ووعدت بأن أتحدث اليوم عن بعض الأمثلة والتطبيقات التي تفسر هذا المبدأ وتوضحه في العديد من المجالات. والحقيقة أن قائمة الأمثلة طويلة، لكن سأقتصر على خمسة منها في المفردات الآتية:
1-يحاول الناس بصورة شبه دائمة أن يحققوا مصالحهم في إطار مبادئهم حتى اللص الذي دخل بيتًا ليسرق المال فإنه في العادة لا يقتل إذا أمكنه الحصول على المال دون الاحتياج إلى القتل. وهذا يعود إلى أن الإنسان مهما تجرد من القيم والمبادئ فإنه يظل فيه شيء من النزعة الإنسانية وشيء من الحنين إلى السمو والنقاء؛ لكن لهذا حدودًا على التحمل، فإذا وُضع الإنسان في ظروف بالغة السوء من الفقر والعوز والقلة - مثلًا- فإن جهاز المناعة الأخلاقي لديه يتعرض للانهيار بسبب الشعور بالظلم الاجتماعي وبسبب قدرة العقل الفائقة على تأويل القيم إلى حد إفراغها من مضامينها. ومن هنا فإننا قد لا نستغرب - وإن كنا لا نسوَّغ ولا نبيح ولكن نفهم- إذا وجدنا الفلسطيني الجائع والمحاصر والذي تخلى عنه إخوانه في العالم، وقد مد يده للتعاون مع اليهود إلى درجة وضع علامات على سيارات قادة المجاهدين حتى تهتدي إليها طائرات اليهود، وتقوم بقصفها، وقتل من فيها.. وهذا حدث في كل البلاد الإسلامية وغير الإسلامية أوقات الاستعمار. وقد أشار أحد علماء المسلمين قديمًا إلى شيء قريب من هذا حين عتب عليه بعض أصدقائه قبوله لهدية من حاكم طاغية، حيث قال: لم أقبل هديته إلا حين حلت لي الميتة. إن الرادع الديني أو الوطني أو الإنساني موجود بنسب متفاوتة لدى جميع الناس، لكنه لدى الأغلبية ينهار، أو يكاد إذا حُمَّل فوق طاقته.
2-نظرت بعض الجماعات الإسلامية إلى نفسها فوجدت أنها الأفضل تنظيمًا والأوسع انتشارًا وربما الأقدم في ساحة العمل الدعوي، وهذا -ولا شك- يمنحها شعورًا بالتفوق، ويعطيها على الأرض بعض الحقوق؛ وهذا طبيعي لكن بعض تلك الجماعات لم تنتبه لنفسها، فتولدت لديها (عقدة الأخ الأكبر) فصارت تتصرف كما يتصرف الأخ الأكبر في الأسرة، حيث على الإخوة الصغار السمع والطاعة وتلقي الأوامر والنصائح، وحيث فقد روح المبادرة للتنسيق والتعاون (بل ضعف الاستجابة) لمحاولات الآخرين الانفتاح عليها. وقد أدى ذلك إلى إعراض الجماعات الأصغر حجمًا عنها، وبدأ التنافس، وما يجره من مظاهر الانحطاط المدني يشتعل في الساحة الدعوية. إن للقوة دائمًا حقوقًا، يقدرها الناس، لكن أصحاب القوة كثرًا ما يضخمون تلك الحقوق، أي يحمّلون قوتهم وامتيازهم وتفوقهم ما لا تحتمل من الحقوق والميزات، وكانت النتيجة خسران الامتياز كله بسبب خسران العلاقة مع الجماعات الأخرى والتي يمكن أن تكون معبرًا لذلك الامتياز. وقد أشار زهير إلى معنى يلتقي جزئيًا مع ما نقوله حين قال:
ومن يكُ ذا فضل فيبخل بفضله *** على قومه يُستغن عنه ويذممِ
3-قد تعودنا في مجالات الأعمال الدعوية والخيرية أن نجد دائمًا القليل ممن يملك الحماسة المتدفقة والحركة الدائبة والأريحية المتوهجة مع كثرة السواد وتزاحم الرؤوس والأقدام. والذي يحدث دائمًا هو أن كل القاعدين وكل أولئك الذين يحبون أن يروا الآخرين يعملون - دون أن يعملوا هم شيئًا- يتجهون إلى ذلك الشخص النبيل النشط المتحرك؛ فيلقون عليه المزيد المزيد من المهمات والمسؤوليات، وهو لشهامته يتقبل، ويعد ويحاول ... ولكن بما أن لكل شيء طاقة تحمَّل فإن الناس يبدؤون بملاحظة الفوضى والتقصير في عمله وتبدأ سهام النقد بتناوشه... وسبب ذلك يعود إلى عدم إدراكه وإدراكهم أن الكم في نهاية المطاف لا يكون إلا على حساب الكيف.