إن الزهد في الحياة، والأخذ منها بما يسد الضروريات أو يكاد ـ منهج في الحياة ترتضيه بعض النفوس، وتجد لديها إمكانية كبيرة للصبر عليه .. وهذا شيء لا عيب فيه، غير أن قليلين هم الذين يقدرون على هذا. كما أن الزهد بهذه الصورة ليس هو المنهج الوحيد الذي يمكن أن يعيش المسلم به في ظلال الإسلام الحنيف، فيمكن أن يكون الزاهد ذا ثوبٍ حسنٍ ومنزلٍ رحْبٍ متسعٍ، يأكل من الطيبات التي أحلها الله، ولا يحرّمها على نفسه ولا على الناس ـ كل هذا دون أن تكون الدنيا غايتَه، ودون أن يسرف على نفسه، أو يستطيل على عباد الله بنعمة الله.
وقد كان الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري ممن مالوا إلى الزهد بصورته الشديدة، فأخذ نفسَه بالعزائم الشديدة، وحرمها الكثيرَ من متعها، واكتفى من الدنيا بما يبلغه المسير إلى نهايتها.
ولم يكتف أبو ذر باختيار سبيل الزهد الذي اختاره، فأضاف إلى ذلك انتقاداتٍ شديدةً أخذ يوجهها إلى هؤلاء الذين توسعوا في متع الدنيا، فكان يقوم في الناس في الشام ويقول:"يا معشر الأغنياء واسُوا الفقراءَ .. بشِّر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاوٍ من نار تُكْوَى بها جباهُهم وجنوبُهم وظهورُهم". (تاريخ الطبري) وكان ينتقد عُمَّالَ عثمانَ لذلك، وينكر عليهم توسُّعَهم في المراكب والملابس.
وانتشر كلام أبي ذر هذا حتى شكا الأغنياءُ ما يَلْقَوْنَ من الناس بسببه إلى معاوية، وكادت أن تقع الفتنة، لولا أن معاوية تدارك الأمر وكتب إلى أمير المؤمنين عثمان