فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 366

في ذلك، فأمره بأن يُرسل أبا ذر إليه مكرما، ومعه دليل في طريقه، ويزوده بالزاد، ويَرفق به.

فلما بلغ أبو ذر ـ رضي الله عنه ـ المدينةَ، لقي الخليفة، فتحادثا برفق ومودة، واختار أبو ذر ـ بعد أن أحس أن تيار الفتوح قد غير الناس كثيرا ـ أن يعيش وحده في منطقة الرَّبَذة خارج المدينة، فزوَّده أميرُ المؤمنين عثمانُ بما يلزمه.

وعاش هناك منفردا حتى أدركه الأجل المحتوم، فمات وحده كما أخبره الرسول المعصوم ـ صلى الله عليه وسلم. [1]

وقد حاول الثائرون على عثمان ـ رضي الله عنه ـ استغلالَ هذا الموقف، زاعمين أن الخليفة نفى أبا ذر بسبب اعتراضه عليه وعلى ولاته، وهو أمر لم يفعلْه الخليفة الصالح على الإطلاق. [2]

(1) - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى تَبُوكَ جَعَلَ لاَ يَزَالُ يَتَخَلَّفُ الرَّجُلُ فَيَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَخَلَّفَ فُلانٌ، فَيَقُولُ: دَعُوهُ، إِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ بِكُمْ، وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمُ اللَّهُ مِنْهُ، حَتَّى قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَخَلَّفَ أَبُو ذَرٍّ، وَأَبْطَأَ بِهِ بَعِيرُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: دَعُوهُ، إِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ بِكُمْ، وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمُ اللَّهُ مِنْهُ، فَتَلَوَّمَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى بَعِيرِهِ فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ أَخَذَ مَتَاعَهُ فَجَعَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَخَرَجَ يَتْبَعُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَاشِيًا، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ مَنَازِلِهِ، وَنَظَرَ نَاظِرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَجُلٌ يَمْشِي عَلَى الطَّرِيقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: كُنْ أَبَا ذَرٍّ، فَلَمَّا تَأَمَّلَهُ الْقَوْمُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ وَاللَّهِ أَبُو ذَرٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ، فَضَرَبَ الدَّهْرُ مِنْ ضَرْبَتِهِ، وَسُيِّرَ أَبُو ذَرٍّ إِلَى الرَّبَذَةَ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى امْرَأَتَهُ وَغُلامَهُ إِذَا مُتُّ فَاغْسِلانِي وَكَفِّنَانِي، ثُمَّ احْمَلانِي فَضَعَانِي عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، فَأَوَّلُ رَكْبٍ يَمُرُّونَ بِكُمْ فَقُولُوا: هَذَا أَبُو ذَرٍّ، فَلَمَّا مَاتَ فَعَلُوا بِهِ كَذَلِكَ، فَاطَّلَعَ رَكْبٌ، فَمَا عَلِمُوا بِهِ حَتَّى كَادَتْ رَكَائِبُهُمْ تَطَأُ سَرِيرَهُ، فَإِذَا ابْنُ مَسْعُودٍ فِي رَهْطٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَقَالُوا: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: جِنَازَةُ أَبِي ذَرٍّ، فَاسْتَهَلَّ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَبْكِي، فَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ، فَنَزَلَ فَوَلِيَهُ بِنَفْسِهِ حَتَّى أَجَنَّهُ، فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ ذُكِرَ لِعُثْمَانَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ وَمَا وَلِيَ مِنْهُ = أخرجه الحاكم في المستدرك وهو صحيح

(2) - وفي العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم - (ج 1 / ص 86)

5 -وأما نفيُه أبا ذرّ إلى الرَّبذة فلم يفعل (1) ، كان أبو ذر زاهدا، وكان يقرّع عمال عثمان، ويتلو عليهم {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة 34] ، ويراهم يتسعون في المراكب والملابس حين وجدوا، فينكر ذلك عليهم، ويريد تفريق جميع ذلك من بين أيديهم، وهو غير لازم. قال ابن عمر وغيره من الصحابة: إن ما أديت زكاته فليس بكنز (2) ، فوقع بين أبي ذر ومعاوية كلام بالشام (3) ، فخرج إلى المدينة، فاجتمع إليه الناس، فجعل يسلك تلك الطرق، فقال له عثمان:"لو اعتزلتَ". معناه: إنك على مذهب لا يصلح لمخالطة الناس، فإن للخلطة شروطا وللعزلة مثلها (4) ، ومن كان على طريقة أبي ذرّ فحاله يقتضي أن ينفرد بنفسه، أو يخالط ويسلِّم لكل أحد حاله مما ليس بحرام في الشريعة، فخرج إلى الربذة زاهدا فاضلا، وترك جلة فضلاء، وكل على خير وبركة وفضل، وحال أبي ذر أفضل، ولا تمكن لجميع الخلق، فلو كانوا عليها لهلكوا (5) فسبحان مرتب المنازل.

(1) وإنما اختار أبو ذر أن يعتزل في الربذة، فوافقه عثمان على ذلك كما صح في حديث عبد الله بن الصامت عند ابن حبان (1549: موارد الظمآن) ، وصح في ص 76، فأكرمه عثمان وجهزه بما فيه راحته.

(2) انظر البيان الفقهي والتفصيل الشرعي لهذه المسألة في منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية (3: 198 - 199) ومقالتنا في مجلة الأزهر (شوال 1374) .

(3) نقل الطبري (5: 66) وأكثر المصادر الإسلامية أنه لما ورد ابن السوداء (عبد الله بن سبأ) الشام لقي أبا ذر فقال: يا أبا ذر ألا تعجب إلى معاوية يقول: «المال مال الله، ألا إن كل شيء لله» كأنه يريد أن يحتجنه دون المسلمين، ويمحو اسم المسلمين. فأتاه أبو ذر فقال: ما يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين «مال الله» ؟ قال معاوية: يرحمك الله يا أبا ذر، ألسنا عباد الله والمال ماله والخلق والأمر أمره؟ قال أبو ذر: فلا تقله. قال معاوية: فإني لا أقول أنه ليس لله، ولكن سأقول «مال المسلمين» : وأتى ابن السوداء (عبد الله بن سبأ) أبا الدرداء، فقال له (أبو الدرداء) : من أنت أظنك والله يهوديا. فأتى (ابن سبأ) عبادة بن الصامت، فتعلق به (ابن الصامت) فأتى به معاوية فقال: هذا والله الذي بعث عليك أبا ذر.

(4) وقد أحسن الكلام على ذلك أبو سليمان الخطابي في كتاب (العزلة) .

(5) الذي تحصل عندي من تتبع نصوص الشريعة في أمر المال، ومراقبتي لتطبيق هذه النصوص في سيرة السلف وعملهم بها، أن المسلم له في نفسه وذويه من المال الذي يملكه ما يكفيه ويكفيهم بالمعروف كأمثاله وأمثالهم من أهل العفة والقناعة والدين، وما زاد عن ذلك فعليه أولا أن يؤدي زكاته الشرعية مباشرة بحسب اجتهاده إن لم يكن أداها للحكومة الإسلامية العاملة بأحكام الشرع وبعد أداء زكاته يكون صاحب المال في امتحان من الله كيف يحسن التصرف فيه بما يرضي الله ويزيد المسلمين قوة وسعادة وعزا، فإن كان تاجرا فمن طريق التجارة أو مزارعا فمن طريق الزراعة، أو صاحب مصنع فمن طريق الصناعة. والإسلام في دور قيامه استفاد من ثروة أغنياء الصحابة عونا ويسرا وقوة. وتجارة التاجر المسلم إذا أغنت المسلمين عن متاجر أعدائهم تعتبر قوة لهم بقدر ما يصدق صاحبها في هذه النية، وكذلك مصنع الصانع المسلم، وزراعة الزارع المسلم. والنية في هذه الأمور أمرها عظيم، وميزانها العمل عندما تمس الحاجة إليه. وبالجملة فإن للمسلم أن يكون غنيا بلا تحديد. بشرط أن يكون ذلك من حله، وأن يكتفي منه بما يكفيه بالمعروف، محاولا دائما أن يحرر نفسه من العبودية والانقياد للكماليات فضلا عن توافه الحضارة وسفاسفها. وبعد أن يؤدي زكاة ما يملك يعتبر ما زاد عن حاجته كالأمانة لله تحت يده. فيتصرف فيها بما يزيد المسلمين ثروة وقوة ويسرا وعزا وسعادة، أما طريقة أبي ذر في أن لا يبيت المسلم وعنده مال فليست الآن من مصلحة المسلمين، وطريقة أغنياء المسلمين الآن - في أن يعيشوا لأنفسهم ومتعهم غير مبالين بعزة الإسلام وقوة دولته وحاجة أهله - فليست من الإسلام، والإسلام لا يعرف الذين لا يعرفونه. انظر مقالتنا (المال في نظام الإسلام) في أول جزء شوال 1374 من مجلة الأزهر.

ومن العجب أن يُؤخد عليه في أمر فعله عمر، فقد رُوي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - سجن ابن مسعود في نفر من الصحابة سنة بالمدينة حتى استُشهد، فأطلقهم عثمان، وكان سجنهم لأن القوم أكثروا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) .

ووقع بين أبي ذر ومعاوية كلام، وكان أبو ذر يطلق من الكلام ما لم يكن يقوله في زمان عمر، فأعلم معاوية بذلك عثمان، وخشي من العامة أن تثور منهم فتنة، فإن أبا ذر كان يحملهم على التزهد وأمور لا يحتملها الناس كلهم، وإنما هي مخصوصة ببعضهم، فكتب إليه عثمان - كما قدمنا - أن يَقدم المدينة، فلما قدم اجتمع إليه الناس، فقال لعثمان: أريد الربذة. فقال له: افعل. فاعتزل. ولم يكن يصلح له إلا ذلك لطريقته (2) .

(1) في كتاب الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (2: 139) خبر مرسل رواه شعبة عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه (إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف) قال: قال عمر لابن مسعود ولأبي الدرداء ولأبي ذر «ما هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم» . قال: وأحسبه لم يدعهم أن يخرجوا من المدينة حتى مات. وقد نبه ابن حزم على أن هذا الخبر مرسل ولا يجوز الاحتجاج به، وعلق عليه الشيخ أحمد شاكر بأن البيهقي وافق ابن حزم على أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (المتوفى سة 66 أو 65 عن 75 سنة) لم يسمع من عمر. ولست أدري هل اعتمد ابن العربي في هذه الفقرة على هذا الخبر المرسل أم على خبر آخر لم نطلع عليه. وليس في الخبر - على ضعفه - ذكر السجن.

(2) وقد صح من حديث عبد الله بن الصامت عند ابن حبان (برقم: 1549 موارد الظمآن) أن أبا ذر هو الذي استأذن عند عثمان أن يقيم في الربذة. وذكر القاضي ولي الدين بن خلدون في العبر (بقية 2: 139) أن أبا ذر استأذن عثمان في الخروج من المدينة وقال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أخرج منها إذا بلغ البناء سلعا» فأذن له، ونزل الربذة وبنى بها مسجدا، وأقطعه عثمان صرمة من الإبل، وأعطاه مملوكين، وأجرى عليه رزقا. وكان يتعاهد المدينة. وبين المدينة والربذة ثلاثة أميال، قال ياقوت: وكانت من أحسن منزل في طريق مكة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت