و وجه آخر: و هو أنه قد علم أن في الصحابة -رضي الله عنهم- قلة عدد، و أن الذين يريدون قتله كثيرٌ عددهم. فلو أذن لهم بالحرب لم يأمن أن يتلف من صحابة نبيه بسببه، فوقاهم بنفسه إشفاقًا منه عليهم. لأنه راعٍ، و الراعي واجب عليه أن يحوط رعيته بكل ما أمكنه. و مع ذلك فقد علم أنه مقتول فصانهم بنفسه، و هذا وجه.
و وجه آخر: هو أنه لما علم أنها فتنة، و أن الفتنة إذا سل فيها السيف لم يؤمن أن يقتل فيها من لا يستحق، فلم يختر لأصحابه أن يسلو في الفتنة السيف، و هذا إنما إشفاقًا منه عليهم هم، فصانهم عن جميع هذا [29] . و هكذا كانت أحوالهم في إصلاح دينهم بفساد دنياهم و نحن:
نُرَقِّعُ دُنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى و لا ما نرقع
و انتقم الله لعثمان من قتلته شرّ انتقامٍ، و كفاه إياهم، فلم يمت منهم أحد ميتة طبيعية، إنما كلهم ماتو قتلًا. أخرج أحمد بإسناد صحيح عن عَمْرة بنت أرطأة العدوية قالت: «خرجتُ مع عائشة سنة قتل عثمان إلى مكة، فمررنا بالمدينة و رأينا المصحف الذي قُتِل و هو في حُجره. فكانت أول قطرة من دمه على هذه الآية {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (137) سورة البقرة 30]. قالت عمرة: فما مات منهم رجل سويًا» [31] .
و عن ابن سيرين قال: كنت أطوف بالكعبة فإذا رجل يقول: «اللهم اغفر لي، و ما أظن أن تغفر لي!» . قلت: «يا عبد الله. ما سمعت أحدًا يقول ما تقول!» . قال: «كنت أعطيت الله عهدًا إن قدرت أن ألطم وجه عثمان إلا لطمته. فلما قتل و وضع على سريره في البيت، و الناس يجيئون فيصلون عليه، فدخلت كأني أصلي عليه، فوجدت خلوة، فرفعت الثوب عن وجهه فلطمت وجهه و سجيته و قد يبست يميني» . قال محمد بن سيرين: «رأيتها يابسة كأنها عود» [32] .
و عن قتادة أن رجلًا من بني سدوس قال: كنت فيمن قتل عثمان، فما منهم رجل إلا أصابته عقوبة غيري. قال قتادة: «فما مات حتى عَمي» [33] . و قال الحسن البصري (و هو شاهد على ذلك الحادث) : «ما علمت أحدًا أشرك في دم عثمان رضي الله عنهما و لا أعان عليه، إلا قُتِل» . و في رواية أخرى: «لم يدع الله الفَسَقة (قتلة عثمان) ، حتى قتلهم بكل أرض» [34] .
] أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ؟ وَ يُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِه! ِ [[35] . ليتنا جميعًا نكون كخيري ابني آدم القائل:] لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي، مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ، إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [[36] . فكن عبد الله المقتول، و لا تكن عبد الله القاتل [37] .
[1] انظر: الطبري (4/ 461 - 462) .
[2] في طبقاته (3/ 71) .
[3] في منهاج السنة (6/ 297) .
[4] طبقات ابن سعد (3/ 66) بإسناد صحيح و رجاله رجال الشيخين، و تاريخ خليفة (ص 170) بإسناد حسن.