فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 366

فلم يكن لمروان ذنب يُطرد عليه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تكن الطلقاء تسكن بالمدينة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. فإن كان قد طرده، فإنما طرده من مكة لا من المدينة، ولو طرده من المدينة لكان يرسله إلى مكة. وقد طعن كثير من أهل العلم في نفيه، وقالوا: هو ذهب باختياره.

وأما استكتابه مروان، فمروان لم يكن له في ذلك ذنب، لأنه كان صغيرا لم يجر عليه القلم، ومات النبي صلى الله عليه وسلم ومروان لم يبلغ الحُلُم باتفاق أهل العلم، بل غايته أن يكون عشر سنين أو قريب منها، وكان مسلما باطنا وظاهرا، يقرأ القرآن ويتفقه في الدين، ولم يكن قبل الفتنة معروفًا بشيء يُعاب به، فلا ذنب لعثمان في استكتابه.

وأما الفتنة فأصابت من هو أفضل من مروان، ولم يكن مروان ممن يحادّ الله ورسوله. وأما أبوه الحكم فهو من الطلقاء، والطلقاء حسن إسلام أكثرهم، وبعضهم فيه نظر. ومجرد ذنب يعزَّر عليه لا يوجب أن يكون منافقا في الباطن.

وأما قوله: (( إنه نفى أبا ذر إلىلرَّبذَة وضربه ضربا وجيعا، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حقه: ما أقلَّت الغبراء ولا أظلت الخضراء على ذى لهجة أصدق من أبي ذر. وقال: إن الله أوحى إليّ أنه يحب أربعة من أصحابي وأمرني بحبهم. فقيل له: من هم يا رسول الله؟ قال: عليّ سيدهم، وسلمان، والمقداد، وأبو ذر ) ).

فالجواب: أن أبا ذر سكن الربذة ومات بها لسبب ما كان يقع بينه وبين الناس، فإن أبا ذر رضي الله عنه كان رجلا صالحا زاهدا، وكان من مذهبه أن الزهد واجب، وأن ما أمسكه الإنسان فاضلًا عن حاجته فهو كنز يُكوى به في النار، ولما توفى عبد الرحمن بن عوف وخلف مالًا، جعل أبو ذر ذلك من الكنز الذي يُعاقب عليه، وعثمان يناظره في ذلك، حتى دخل كعب ووافق عثمان، فضربه أبو ذر، وكان قد وقع بينه وبين معاوية بالشام بهذا السبب.

وأما الخلفاء الراشدون وجماهير الصحابة والتابعين فعلى خلاف هذا القول.

فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة ) ) ( [26] ) . فنفى الوجوب فيما دون المائتين، ولم يشترط كون صاحبها محتاجا إليها أم لا.

وقال جمهور الصحابة: الكنز هو المال الذي لم تؤدّ حقوقه.

وكان أبو ذر يريد أن يوجب على الناس ما لم يوجب الله عليهم، ويذمهم على ما لم يذمهم الله عليه، مع أنه مجتهد في ذلك، مثاب على طاعته رضي الله عنه، كسائر المجتهدين من أمثاله.

فكان اعتزاز أبي در لهذا السبب، ولم يكن لعثمان مع أبي ذر غرض من الأغراض.

وأما كون أبي ذر من أصدق الناس، فذاك لا يوجب أنه أفضل من غيره، بل كان أبو ذر مؤمنا ضعيفا. كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له: (( يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي. لا تأمّرن على اثنين. ولا تولين مال يتيم ) ) ( [27] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت