لكن إذا ظهر مبتدع يقدح فيهم بالباطل، فلا بد من الذبّ عنهم، وذكر ما يبطل حجته بعلمٍ وعدل.
وكذلك ما نقل من تكلّم عمّار في عثمان، وقول الحسن فيه، ونقل عنه أنه قال: (( لقد كَفَر عثمان كفرة صلعاء ) )وأن الحسن بن عليّ أنكر ذلك عليه، وكذلك عليّ، وقال له: (( يا عمار أتكفر بربٍّ آمن به عثمان؟ ) ).
وأما قوله: (( أنه لما حكم ضرب ابن مسعود حتى مات ) ).
فهذا كذب باتفاق أهل العلم، فإنه لما وَلِيَ أقرّ ابن مسعود على ما كان عليه من الكوفة، إلى أن جرى من ابن مسعود ما جرى. وما مات ابن مسعود من ضرب عثمان أصلا.
وفي الجملة فإذا قيل إن عثمان ضرب ابن مسعود أو عمَّارًا، فهذا لا يقدح في أحد منهم؛ فإنه نشهد أن الثلاثة في الجنة، وأنهم من أكابر أولياء الله المتقين. وقد قدَّمنا أن ولي الله قد يصدر منه ما يستحق عليه العقوبة الشرعية، فكيف بالتعزير؟.
وأما قوله: (( وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (( عمّار جلدة بين عَيْنَيْ، تقتله الفئة الباغية، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة ) ).
فيقال: الذي في الصحيح: (( تقتل عمّار الفئة الباغية ) ) (2) وطائفة من العلماء ضعفوا هذا الحديث، منهم الحسين الكرابيسي وغيره، ونقل ذلك عن أحمد أيضا.
وأما قوله: (( لا أنالهم الله شفاعتي ) )فكذب مزيد في الحديث، لم يروه أحد من أهل العلم بإسناد معروف.
وكذلك قوله: (( عمّار جلدة بين عيني ) )لا يعرف له إسناد.
ولو قيل مثل ذلك، فقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: (( إنما فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها ) ) ( [21] ) . وفي الصحيح عنه أنه قال: (( لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) ) ( [22] ) . وثبت عنه في الصحيح أنه كان يحب أسامة، ثم يقول: (( اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه ) ) ( [23] ) . ومع هذا لما قتل ذلك الرجل أنكر عليه إنكار شديدا وقال: (( يا أسامة أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله ) )قال: فما زال يكررها عليّ حتى تمنّيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ )) ( [24] ) .
كذلك عثمان فيمن أقام عليه حدًّا أو تعزيرا هو أولى بالعلم والعدل منهم. وإذا وجب الذبّ عن عليّ لمن يريد أن يتكلم فيه بمثل ذلك، فالذبّ عن عثمان لمن يريد أن يتكلم فيه بمثل ذلك أَوْلى.
وقوله: (( وطرد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم بن أبي العاص عم عثمان عن المدينة، ومعه ابنه مروان، فلم يزل هو وابنه طريدين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلما وَليَ عثمان آواه وردّه إلى المدينة، وجعل مروان كاتبه وصاحب تدبيره. مع أن الله قال:) لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ باللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (( [25] ) .
والجواب: أن الحكم بن أبي العاص كان من مسلمة الفتح، وكانوا ألفىْ رجل، ومروان ابنه كان صغيرا إذ ذاك، فإنه من أقران ابن الزبير والمسور بن مخرمة، عمره حين الفتح سن التمييز: إما سبع سنين، أو أكثر بقليل، أو أقل بقليل،