فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 366

وأما قوله: (( وكان يؤثر أهله بالأموال الكثيرة من بيت المال، حتى أنه دفع إلى أربعة نفر من قريش، زوَّجهم بناته، أربعمائة ألف دينار، ودفع إلى مروان ألف ألف دينار ) ).

فالجواب: أولا أن يُقال: أين النقل الثابت بهذا؟ نعم كان يعطي أقاربه عطاءً كثيرا، ويعطى غير أقاربه أيضا، وكان محسنا إلى جميع المسلمين. وأما هذا القدر الكثير فيحتاج إلى نقل ثابت.

ثم يقال: ثانيا: هذا من الكذب البيّن، فإنه لا عثمان ولا غيره من الخلفاء الراشدين أعطوا أحدًا ما يقارب هذا المبلغ. ومن المعلوم أن معاوية كان يعطي من يتألّفه أكثر من عثمان. ومع هذا فغاية ما أعطى الحسن بن عليّ مائة ألف أو ثلاثمائة ألف درهم. وذكروا أنه لم يعط أحدا قدر هذا قط.

نعم كان عثمان يعطي بعض أقاربه ما يعطيهم من العطاء الذي أُنكر عليه، وقد تقدم تأويله في ذلك، والجواب العام يأتي على ذلك.

وبالجملة، فلا بد لكل ذوى أمر من أقوام يأتمنهم على نفسه، ويدفعون عنه من يريد ضرره. فإن لم يكن الناس مع إمامهم كما كانوا مع أبي بكر وعمر، احتاج الأمر إلى بطانة يطمئن إليهم، وهم لا بد لهم من كفاية. فهذا أحد التأويلين.

والتأويل الثاني: أنه كان يعمل في المال. وقد قال الله تعالى:) وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا (( 1) . والعامل على الصدقة الغنى له أن يأخذ بعمالته باتفاق المسلمين.

وأما قوله: (( وكان ابن مسعود يطعن عليه ويكفّره ) ).

فالجواب: أن هذا من الكذب البيّن على ابن مسعود، فإن علماء أهل النقل يعلمون أن ابن مسعود ما كان يكفّر عثمان، بل لما وَلِيَ عثمان وذهب ابن مسعود إلى الكوفة قال: (( ولَّينَا أعلانا ذا فوق ولم نأل ) ).

وكان عثمان في السنين الأُوَل من ولايته لا ينقمون منه شيئا ولما كانت السنين الآخرة نقموا منه أشياء، بعضها هم معذورون فيه، وكثير منها كان عثمان هو المعذور فيه.

من جملة ذلك أمر ابن مسعود؛ فإن ابن مسعود بقي في نفسه من أمر المصحف، لما فوَّض كتابته إلى زيد دونه، وأمر الصحابة أن يغسلوا مصاحفهم. وجمهور الصحابة كانوا على ابن مسعود مع عثمان.

وعثمان أفضل من كل من تكلَّم فيه. هو أفضل من ابن مسعود وعمَّار وأبي ذر ومن غيرهم من وجوه كثيرة، كما ثبت ذلك بالدلائل الكثيرة.

فليس جعل كلام المفضول قادحًا في الفاضل بأَوْلى من العكس، بل إن أمكن الكلام بينهما بعلم وعدل، وإلا تكلم بما يُعلم من فضلهما ودينهما، وكان ما شجر بينهما وتنازعا فيه أمره إلى الله.

ولهذا أوصوا بالإمساك عما شجر بينهم، لأنا لا نُسأل عن ذلك.

كما قال عمر بن عبد العزيز: (( تلك دماء طهَّر الله منها يدى، فلا أحب أن أخضّب بها لساني ) ). وقال آخر:) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (( 1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت