ولا إقامة حد. وغايتهم أن يكونوا ظُلموا في بعض الأمور، وليس لكل مظلوم أن يقتل بيده كل من ظلمه، بل ولا يقيم الحد.
وليس مروان أَوْلى بالفتنة والشر من محمد بن أبي بكر، ولا هو أشهر بالعلم والدين منه. بل أخرج أهل الصحاح عدة أحاديث عن مروان، وله قول مع أهل الفتيا، واختُلف في صحبته.
وأما قوله: (( ولّى معاوية الشام، فأحدث من الفتن ما أحدثه ) ).
فالجواب: أن معاوية إنما ولاّه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. لما مات أخوه يزيد بن أبي سفيان ولاّه عمر مكان أخيه. واستمر في ولاية عثمان، وزاده عثمان في الولاية. وكانت سيرة معاوية مع رعيته من خيار سير الولاة، وكانت رعيته يحبونه.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( خيار أئمتكم الذين تحبّونهم ويحبونكم، وتصلّون عليهم ويصلّون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم ) ) (1) .
وإنما ظهر الأحداث من معاوية في الفتنة لما قُتل عثمان، ولما قُتل عثمان كانت الفتنة شاملة لأكثر الناس، لم يختص بها معاوية، بل كان معاوية أطلب للسلامة من كثيرٍ منهم، وأبعد عن الشر من كثير منهم.
ومعاوية كان خيرا من الأشتر النخعي، ومن محمد بن أبي بكر، ومن عبيد الله بن عمر بن الخطاب، ومن أبي الأعور السلمي، ومن هاشم بن هاشم بن هاشم المرقال، ومن الأشعث بن قيس الكندي، ومن بُسر بن أبي أرطأة، وغير هؤلاء من الذين كانوا معه ومع عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما.
وأما قوله: (( وولَّى عبد الله بن عامر البصرة، ففعل من المناكير ما فعل ) ).
فالجواب: إن قتل عثمان والفتنة لم يكن سببها مروان وحده، بل اجتمعت أمور متعددة، من جملتها أمور تُنكر من مروان. وعثمان رضي الله عنه كان قد كَبُر، وكانوا يفعلون أشياء لا يُعلمونه بها، فلم يكن آمرًا لهم بالأمور التي أنكرتموها عليه، بل كان يأمر بإبعادهم وعزلهم، فتارة يفعل ذلك، وتارة لا يفعل ذلك. وقد تقدم الجواب العام.
ولما قدم المفسدون الذين أرادوا قتل عثمان، وشكوا أمورا، أزالها كلها عثمان، حتى أنه أجابهم إلى عزل من يريدون عزله، وإلى أن مفاتيح بيت المال تعطى لمن يرتضونه، وأنه لا يعطى أحدًا من المال إلا بمشورة الصحابة ورضاهم، ولم يَبْقَ لهم طلب. ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: (( مصصتموه كما يُمص الثوب، ثم عمدتم إليه فقتلتموه ) ).
وقد قيل: إنه زُوِّر عليه كتابٌ بقتلهم، وأنهم أخذوه في الطريق، فأنكر عثمان الكتاب، وهو الصادق. وأنهم اتهموا به مروان، وطلبوا تسليمه إليهم، فلم يسلّمه.
وهذا بتقدير أن يكون صحيحا، لا يبيح شيئا مما فعلوه بعثمان. وغايته أن يكون مروان قد أذنب في إرادته قتلهم، ولكن لم يتم غرضه. ومن سعى في قتل إنسان ولم يقتله، لم يجب قتله. فما كان يجب قتل مروان بمثل هذا. نعم ينبغي الاحتراز ممن يفعل مثل هذا، وتأخيره وتأديبه. ونحو ذلك. أما الدم فأمر عظيم.