فليس كذلك، بل يميل كثيرا إلى أشياء من أمورهم، بل يذكر أحيانا أشياء من كلام الإسماعيلية الباطنية منهم ويوجهه. ولهذا اتهمه بعض الناس بأنه من الإسماعيلية، وإن لم يكن الأمر كذلك. وقد ذكر من اتهمه شواهد من كلامه وسيرته. وقد يُقال: هو مع الشيعة بوجه، ومع أصحاب الأشعري بوجه.
وأما قول القائل: (( إن مثار الفساد بعد شبهة إبليس الاختلاف الواقع في مرض النبي صلى الله عليه وسلم ) ).
فهذا من أظهر الكذب الباطل، فإنه إن كان قصده أن هذا أول ذنب أُذنب، فهذا باطل ظاهر البطلان.
وإن كان قصده أن هذا أول اختلاف وقع بعد تلك الشبهة، فهو باطل من وجوه:
أحدها: أن شبهة إبليس لم توقع خلافا بين الملائكة، ولا سمعها الآدميون منه حتى يوقع بينهم خلافا.
والثاني: أن الخلاف ما زال بين بني آدم من زمن نوح، واختلاف الناس قبل المسلمين أعظم بكثير من اختلاف المسلمين.
الوجه الثالث: أن الذي وقع في مرضه كان أهون الأشياء وأَبْيَنِها. وقد ثبت في الصحيح أنه قال لعائشة في مرضه: (( ادعى لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه الناس من بعدي ) )ثم قال: (( يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ) )فلما كان يوم الخميس همَّ أن يكتب كتابًا، فقال عمر: (( ماله أَهَجَر؟ ) ) (1) فشكّ عمر هل هذا القول من هَجْر الحمّى، أو هو مما يقول على عادته. فخاف عمر أن يكون من هَجْر الحمى، فكان هذا مما خفى على عمر، كما خفى عليه موت النبي صلى الله عليه وسلم، بل أنكره. ثم قال بعضهم: هاتوا كتابا. وقال بعضهم: لا تأتوا بكتاب. فرأى النبي صلى الله عليه وسلم أن الكتاب في هذا الوقت لم يبق فيه فائدة، لأنهم يشكون: هل أملاه مع تغيّره بالمرض؟ أم مع سلامته من ذلك؟ فلا يرفع النزاع. فتركه.
ولم تكن كتابة الكتاب مما أوجبه الله عليه أن يكتبه أو يبلّغه في ذلك الوقت، إذ لو كان كذلك لما ترك صلى الله عليه وسلم ما أمره الله به، لكن ذلك مما رآه مصلحة لدفع النزاع في خلافة أبي بكر.
ومن جهل الرافضة أنهم يزعمون أن ذلك الكتاب كان كتابه بخلافة عليّ، وهذا ليس في القصة ما يدل عليه بوجهٍ من الوجوه. ولا في شيء من الحديث المعروف عند أهل النقل أنه جعل عليًّا خليفة. كما في الأحاديث الصحيحة ما يدل عَلَى خلافة أبي بكر. ثم يدّعون مع هذا أنه كان قد نصّ على خلافة عليّ نصًّا جليًّا قاطعا للعذر، فإن كان قد فعل ذلك فقد أغنى عن الكتاب، وإن كان الذين سمعوا ذلك لا يطيعونه فهم أيضا لا يطيعون الكتاب. فأي فائدة لهم في الكتاب لو كان كما زعموا؟
وأما قوله: (( الخلاف الثاني: الواقع في مرضه: أنه قال: جهِّزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف عنه. فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره، وأسامة قد برز، وقال قوم: قد اشتد مرضه، ولا يسع قلوبنا المفارقة ) ).
فالجواب: أن هذا كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالنقل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: (( لعن الله من تخلَّف عنه ) )ولا نُقل هذا بإسناد ثبت، بل ليس له إسناد في كتب أهل الحديث أصلا، ولا امتنع أحدٌ من أصحاب أسامة من الخروج معه لو خرج، بل كان