فإن الله حي لا يموت. قال الله تعالى:) وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ (( 1) . قال: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله قد أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها الناس كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها.
فأخبرني ابن المسيب أن عمر قال: (( والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلّني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات ) ) (2) .
وأما قوله: (( الخلاف الرابع: في الإمامة. وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة إذا ما سُلَّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُلَّ على الإمامة في كل زمان ) ).
فالجواب: أن هذا من أعظم الغلط، فإنه - ولله الحمد - لم يُسلّ سيفٌ على خلافة أبي بكر ولا عمر ولا عثمان، ولا كان بين المسلمين في زمنهم نزاع في الإمامة، فضلا عن السيف، ولا كان بينهم سيف مسلول على شيء من الدين. والأنصار تكلّم بعضهم بكلام أنكره عليهم أفاضلهم، كأُسَيْد بن حضير وعبَّاد بن بشر وغيرهما ممن هو أفضل من سعد بن عبادة نفسًا وبيتًا.
فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه في الصحيحين من غير وجه أنه قال: (( خير دور الأنصار دار بني النجَّار، ثم دار بني عبد الأشهل، ثم دار بني الحارث بن الخزرج، ثم دار بني ساعدة. وفي كل دور الأنصار خير ) ) (1) .
فأهل الدور الثلاثة المفضَّلة: دار بني النجّار، وبني عبد الأشهل، وبني الحارث بن الخزرج لم يُعرف منهم من نازع في الإمامة، بل رجال بني النجّار، كأبي أيوب الأنصاري وأبي طلحة وأبَيّ بن كعب وغيرهم، كلهم لم يختاروا إلا أبا بكر.
وأُسيد بن حضير هو الذي كان مقدّم الأنصار يوم فتح مكة، عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر عن يمينه، وهو كان من بني عبد الأشهل، وهو كان يأمر ببيعة أبي بكر رضي الله عنه، وكذلك غيره من رجال الأنصار.
وإنما نازع سعد بن عبادة والحُبَاب بن المنذر وطائفة قليلة، ثم رجع هؤلاء وبايعوا الصدِّيق، ولم يُعرف أنه تخلّف منهم إلا سعد بن عبادة.
وسعد، وإن كان رجلا صالحا، فليس هو معصومًا، بل له ذنوب يغفرها الله، وقد عرف المسلمون بعضها، وهو من أهل الجنّة السابقين الأوّلين من الأنصار، رضي الله عنهم وأرضاهم.
فما ذكره الشهرستاني من أن الأنصار اتفقوا على تقديمهم سعد بن عبادة هو باطل باتفاق أهل المعرفة بالنقل، والأحاديث الثابتة بخلاف ذلك. وهو وأمثاله، وإن لم يتعمدوا الكذب، لكن ينقلون من كتب من ينقل عمَّن يتعمد الكذب.
وكذلك قول القائل: إن عليًّا كان مشغولا بما أمره النبي صلى الله عليه وسلم من دفنه وتجهيزه وملازمة قبره، فكذب ظاهر، وهو مناقض لما يدَّعونه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُدفن إلا بالليل، لم يدفن بالنهار. وقيل: إنه إنما دُفن من الليلة المقبلة، ولم يأمر أحدا بملازمة قبره، ولا لازم عليٌّ قبره، بل قُبِرَ في بيت عائشة، وعليٌّ أجنبي منها.