فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 366

ثم كيف يُأمر بملازمة قبره، وقد أمر- بزعمهم - أن يكون إماما بعده؟

ولم يشتغل بتجهيزه عليٌّ وحده، بل عليٌّ، والعباس، وبنو العباس، ومولاه شقران، وبعض الأنصار، وأبو بكر وعمر، وغيرهما عَلَى باب البيت، حاضرين غسله وتجهيزه، لم يكونوا حينئذ في بني ساعدة.

لكن السنّة أن يتولّى الميت أهله، فتولّى أهله غسله، وأخّروا دفنه ليصلِّي المسلمون عليه، فإنه صلُّوا عليه أفرادًا، واحد بعد واحد، رجالهم ونساؤهم: خلق كثير، فلم يتسع يوم الاثنين لذلك مع تغسيله وتكفينه، بل صلّوا عليه يوم الثلاثاء، ودفن يوم الأربعاء.

وأيضا فالقتال الذي كان في زمن عليّ لم يكن على الإمامة، فإن أهل الجمل وصفّين والنهروان لم يقاتلوا عَلَى نصب إمامٍ غير عليّ، ولا كان معاوية يقول: أنا الإمام دون عليّ، ولا قال ذلك طلحة والزبير.

فلم يكن أحد ممن قاتل عليًّا قبل الحكمَيْن نَصَب إمامًا يقاتل عَلَى طاعته، فلم يكن شيء من هذا القتال على قاعدة من قواعد الإمامة المنازع فيها، لم يكن أحد من المقاتلين يقاتل طعنًا في خلافة الثلاثة، ولا ادعاء للنص على غيرهم، ولا طعنا في جواز خلافة عليّ.

فالأمر الذي تنازع فيه الناس من أمر الإمامة، كنزاع الرافضة والخوارج المعتزلة وغيرهم، ولم يقاتل عليه أحد من الصحابة أصلا، ولا قال أحد منهم: إن الإمام المنصوص عليه هو عليّ، ولا قال: إن الثلاثة كانت إمامتهم باطلة، ولا قال أحد منهم: إن عثمان وعليًّا وكل من والاهما كافر.

فدعوى المدّعى أن أول سيف سُلَّ بين أهل القبلة كان مسلولا على قواعد الإمامة التي تنازع فيها الناس، دعوى كاذبة ظاهرة الكذب، يُعرف كذبها بأدنى تأمل، مع العلم بما وقع.

وإنما كان القتال قتال فتنة عند كثير من العلماء، وعند كثير منهم هو من باب قتال أهل العدل والبغى، وهو القتال بتأويل سائغ لطاعة غير الإمام، لا على قاعدة دينية.

ولو أن عثمان نازعه منازعون في الإمامة وقاتلهم، لكان قتالهم من جنس قتال عليّ، وإن كان ليس بينه وبين أولئك نزاع في القواعد الدينية.

ولكن أول سيف سُلَّ على الخلاف في القواعد الدينية سيف الخوارج، وقتالهم من أعظم القتال، وهم الذين ابتدعوا أقوالًا خالفوا فيها الصحابة وقاتلوا عليها، وهم الذين تواترت النصوص بذكرهم، كقوله صلى الله عليه وسلم: (( تمرق مارقة على حين فُرقة من المسلمين، تقتلهم أَوْلى الطائفتين بالحق ) ) (1) .

وعليّ رضي الله عنه لم يقاتل أحدًا على إمامة من قاتله، ولا قاتله أحدٌ على إمامته نفسه، ولا ادّعى أحدٌ قط في زمن خلافته أنه أحقُّ بالإمامة منه: لا عائشة، ولا طلحة، ولا الزبير، ولا معاوية وأصحابه، ولا الخوارج، بل كل الأمة كانوا معترفين بفضل عليّ وسابقته بعد قتل عثمان، وأنه لم يبق في الصحابة من يماثله في زمن خلافته، كما كان عثمان كذلك: لم ينازع قط أحدٌ من المسلمين في إمامته وخلافته، ولا تخاصم اثنان في أن غيره أحق بالإمامة منه، فضلا عن القتال على ذلك. وكذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت