وبالجملة فكل من له خبرة بأحوال القوم يعلم علما ضروريا أنه لم يكن بين المسلمين مخاصمة بين طائفتين في إمامة الثلاثة، فضلا عن قتالٍ.
وكذلك عليٌّ: لم يتخاصم طائفتان في أن غيره أحق بالإمامة منه. وإن كان بعض الناس كارهًا لولاية أحدٍ من الأربعة، فهذا لا بد منه. فإن من الناس من كان كارهًا لنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف من لا يكون فيهم من يكره إمامة بعض الخلفاء؟
ثم قد تبين أن الصحابة لم يقتتلوا على خلافة أبي بكر وعمر وعثمان والنزاع بينهم. فتبين أن خلافتهم كانت بلا سيف مسلول أصلا، وإنما كان السيف مسلولا في خلافة عليّ. فإن كان هذا قدحًا، فالقدح يختص بمن كان السيف في زمانه بين الأمة.
وهذه حجة للخوارج. وحجتهم أقوى من حجة الشيعة، كما أن سيوفهم أقوى من سيوف الشيعة، ودينهم أصح، وهم صادقون لا يكذبون. ومع هذا فقد ثبت بالسنة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم واتفاق أصحابه أنهم مبتدعون مخطئون ضُلاَّل، فكيف بالرافضة، الذين هم أبعد منهم عن العقل والعلم والدين والصدق والشجاعة والورع وعامة خصال الخير؟!
ولم يعرف في الطوائف أعظم من سيف الخوارج، ومع هذا فلم يقاتل القوم على خلافة أبي بكر وعمر، بل هم متفقون على إمامتهما وموالاتهما.
وقوله: (( الخلاف الخامس: في فَدَك والتوارث. رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( نحن معاشر الأنبياء لا نُورث، ما تركناه صدقة ) ).
فيقال: هذا أيضا اختلاف في مسألة شرعية، وقد زال الخلاف فيها والخلاف في هذه دون الخلاف في ميراث الإخوة مع الجد، وميراث الجدة مع ابنها، وحجب الأم بالأخوين، وجعل الجد مع الأم كالأب، وأمثال ذلك من مسائل الفرائض التي تنازعوا فيها.
وقد تولّى عليّ بعد ذلك، وصار فدك وغيرها تحت حكمه، ولم يعطها لأولاد فاطمة، ولا أخذ من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ولد العباس شيئا من ميراثه.
فلو كان ذلك ظلما وقدر على إزالته، لكان هذا أهون عليه من قتال معاوية وجيوشه. أفتراه يقاتل معاوية، مع ما جرى في ذلك من الشر العظيم، ولا يعطى هؤلاء قليلا من المال، وأمره أهون بكثير؟
وأما قوله: (( الخلاف السادس: في قتال مانعي الزكاة، قاتلهم أبو بكر، واجتهد عمر في أيام خلافته، فردّ السبايا والأموال إليهم، وأطلق المحبوسين ) ).
فهذا من الكذب الذي لا يخفى على من عرف أحوال المسلمين؛ فإن مانعي الزكاة اتفق أبو بكر وعمر على قتالهم، بعد أن راجعه عمر في ذلك.
كما في الصحيحين عن أبي هريرة أن عمر قال لأبي بكر: يا خليفة رسول الله، كيف تقاتل الناس، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ) )؟
فقال أبو بكر: ألم يقل إلا بحقِّها وحسابهم على الله؟ فإن الزكاة من حقّها. والله لو منعونى عَنَاقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فو الله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق (1) .