فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 366

وقوله: (( ومنها نفيه أبا ذر إلى الربذة، وتزويجه ابنته مروان بن الحكم، وتسليمه خمس غنائم إفريقية، وقد بلغت مائتى ألف دينار ) ).

فيقال: أما قصة أبي ذر فقد تقدم ذكرها، وأما تزويجه مروان ابنته فأي شيء في هذا مما يجعل اختلافا؟ وأما إعطاؤه خمس غنائم أفريقية. فمن الذي نقل هذا، وتقدم قوله: أعطاه ألف ألف دينار والمعروف أن خمس أفريقية لم يبلغ ذلك.

وقوله: ومنها إيواؤه عبد الله بن سعد بن أبي سرح بعد أن أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه، وتوليته مصر.

فالجواب: إن كان المراد أنه لم يزل مهدر الدم حتى ولاه عثمان، كما يفهم من الكلام. فهذا لا يقوله إلا مفرط في الجهل بأحوال الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته؛ فإن الناس كلهم متفقون على أنه في عام فتح مكة، بعد أن كان النبي صلى الله عليه وسلم أهدر دم جماعة منهم عبد الله بن سعد، أتى عثمان به النبي صلى الله عليه وسلم وبايعه النبي صلى الله عليه وسلم بعد مراجعة عثمان له في ذلك، وحقن دمه، وصار من المسلمين المعصومين، له ما لهم، وعليه ما عليهم.

وأما قوله: (( كان عامل جنوده معاوية بن أبي سفيان عامل الشام، وعامل الكوفة سعيد بن العاص، وبعده عبد الله بن عامر، والوليد بن عقبة عامل البصرة ) ).

فيقال: أمّا معاوية فولاّه عمر بن الخطاب لما مات أخوه يزيد بن أبي سفيان مكانه، ثم ولاّه عثمان رضي الله عنه الشام كله، وكانت سيرته في أهل الشام من أحسن السير، وكانت رعيته من أعظم الناس محبةً له.

وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبّونكم، وتصلّون عليهم ويصلّون عليكم ) ) (1) .

وكان معاوية تحبه رعيته وتدعو له، وهو يحبها ويدعو لها.

وأما توليته لسعيد بن العاص فأهل الكوفة كانوا دائما يشكون من ولاتهم. وَلِيَ عليهم سعد بن أبي وقاص، وأبو موسى الأشعري، وعمَّار بن ياسر والمغيرة بن شعبة، وهم يشكون منهم، وسيرتهم في هذا مشهورة. ولا شك أنهم كانوا يشكون في زمن عثمان أكثر. وقد عُلم أن عثمان وعليًّا رضي الله عنهما كل منهما ولَّى أقاربه، وحصل له بسبب ذلك من كلام الناس وغير ذلك ما حصل.

وأما قوله: (( الخلاف التاسع: في زمن أمير المؤمنين عليه السلام بعد الاتفاق عليه وعقد البيعة له، فأوّلا خروج طلحة والزبير إلى مكة، ثم حمل عائشة إلى البصرة، ثم نصب القتال معه، ويُعرف ذلك بحرب الجمل، والخلاف بينه وبين معاوية وحرب صفين، ومغادرة عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري، وكذا الخلاف بينه وبين الشرارة المارقين بالنهروان. وبالجملة كان عليّ مع الحق والحق معه، وظهر في زمانه الخوارج عليه، مثل الأشعث بن قيس، ومِسْعَر بن فَدَكى التميمي، وزيد بن حصين الطائي وغيرهم، وظهر في زمنه الغلاة كعبد الله بن سبأ. ومن الفرقتين ابتدأت الضلالة والبدع، وصدق فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: يهلك فيك اثنان: محبٌّ غالٍ، ومبغضٌ قالٍ.

فانظر بعين الإنصاف إلى كلام هذا الرجل، هل خرج موجب الفتنة عن المشايخ أو تعدّاهم؟ )) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت