وحتى إذا كان الصراع بين سلطة جائرة والثائرين من رعاياها، فإن كلا الطرفين لايرفع عينه أبدا عن العاصمة، طرف يريد تأمينها والآخر يود الإستيلاء عليها.
ورغم ضراوة حرب فيتنام وأعوامها الطويلة، فإن ذكرها يستدعى على الفور معركة العاصمة سايجون وملحمة إقتحام الثوار لها.
وكذلك ذكر حرب إستقلال الجزائر، يستدعى معركة العاصمة، التى ظلت طول الحرب هى شعلة الجهاد البطولى الصامد والمنتصر في النهاية.
الحركات الإنقلابية تختصر المسافة بالقفز مباشرة إلى كرسى الحكم في العاصمة. وبما أن الجيش قام بالعمل كله منفردا، فإنة يفرض بقوة السلاح صيغة الحاكم المطلق الذى لاشريك له. ويستبعد جميع الآخرين مهما كان لهم من تاريخ وطنى أونضالى أو إسلامى، وبمعنى أصح، بالذات إذا كان إسلاميا.
فالجيش هو الجيش، مؤسسة بناها النظام للحفاظ على سلامته وأمنه ضد أى تهديد داخلى كان أو خارجى. فهو إذا إنقلب فإنه لاينقلب على جوهر الإستبداد والفساد بل يبدل تغليفة الخارجى فقط. ويظل محتقرا للناس ودورهم وقدراتهم ولا يوافق على غير تواجدهم الحاشد في الساحات للتصفيق والهتاف"للزعيم الملهم".
وتاريخنا العربى والإسلامى المعاصر ملئ بالشواهد على ذلك عبر سلسلة طويلة من الإنقلابات: في سوريا ومصر والعراق واليمن وليبيا والجزائر والسودان وإيران وباكستان وأفغانستان ... إلخ.
إذا كان كل صراع من أجل بناء نظام سياسى جديد ينتهى بدخول العاصمة، فإن النظام الإنقلابى هو التحرك الوحيد الذى يبدا وينتهى في العاصمة.
رأينا أن حرب المطاريد طويلة الأمد تبدأ من البرارى الموحشة والجبال النائية وعينها على العاصمة، التى هى الموضوع الأساسى لمرحلة الهجوم الإستراتيجى.
والثورات الشعبية وحركات العصيان المدنى، محورها الأساسى هو العاصمة. ولكنها تنتشر مثل الفطر أو بقعة الزيت فوق كل المدن والأرياف، والأماكن النائية تكون في خلفية المشهد ولكن ليست خارجه تماما. أى أن أولويات المكان بالنسبة للثورة الشعبية تكون معكوسة بالنسبة لأولويات حرب العصابات طويلة الأمد.
ولكن تبقى العاصمة هى الهدف النهائى للجميع، فمنها تبدأ الأزمة، وفيها خاتمة الصراع.