فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 611

وهذه الحجج الّتي قيلت هي هي بعينها حجج أهل التّقليد الأوائل، فالإمام السّلفيّ محمّد بن إدريس الشّافعيّ حين ألّف كتابه العظيم"الأمّ"وهو كتاب فقهيّ جامع للنّصّ واجتهادات الإمام من تصحيح حديث ومن استنباط مسألة، وهو إمام عظيم كان ينهى أتباعه عن التّقليد، وبدأ تلاميذه يعلّقون على كتابه ويزيدون وينقصون، وبعد طورين أو ثلاثة من وفاة الإمام نشط بعض أتباعه بتقريب فقه الشّافعيّ للعوام، فما كان منهم إلاّ أن اجتهدوا فاختصروا الكتب بأن أبقوا على نصوص الإمام، وأزالوا الأدلّة وقالوا للنّاس ما قاله أتباع المذهب الجديد، وعلى ضوء هذا تشكّل مذهب الشّافعيّ، وهو مَنْ هو في نهي النّاس عن التّقليد، ولو استشير في زمانه أن يكتبوا رأيه بلا دليل لاستشاط غضبًا، ولبيّن لهم ضلال فعلهم وصنيعهم، ومثل مذهب الشّافعي تشكّلت كثير من المذاهب الفقهيّة الأخرى من حنفي ومالكي وحنبلي إلى غير ذلك، وهم على كلّ حال تشكّلت مذاهبهم بالصّورة المقيتة بعد وفاتهم، وجزمًا بعد وفاة تلامذتهم المباشرين لهم، ولكنّ مذهبيّتنا المعاصرة تشكّلت في عصر أئمّتنا ومشايخنا.

ولمّا سقطت صورة التّقديس الباطلة من نفوس الشّباب نحو الأئمّة وغرست في نفوسهم مقولة: أنّهم بشر، يخطئون ويصيبون، فصار من الأمر المعتاد، والمشاهد المألوفة أن تجد طالبًا مبتدئًا أتقن مسألة علميّة وبحثها بحثًا مقبولًا أن يكتشف خطأ أبي حنيفة أو غيره من الأئمّة، فيعلن بكلّ صراحة أنّ مذهب الحنفيّة أخطأ في هذه المسألة، وهي صورة لا تنكر إن قامت على سوق صحيحة، ولكنّ مذهبيّتنا الجديدة صنعت قداسة جديدة لأئمّة محدثّين، وصار من الجرم الّذي لا يغفر، والذّنب الذي لا يتاب منه أن تقترب من حمى الشّيخ، أو أن تردّ عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت