-هناك فرق بين العصبيّة الحزبيّة وبين الحزبيّة والتّحزّب، وليس بينهما ترابط ولا علاقة، فقد يكون الرّجل متعصّبًا لفكرة وهو غير متحزّب، ولا في حزب، وقد يكون الرّجل في حزب وتنظيم وهو غير متعصّب، بل إنّ الجماعة والتّنظيم إن قامت على سوق صحيحة تقتل في الرّجل أنانيّته وتعصّبه لأنّها تجبره دومًا على التنازل عن آرائه الّتي يراها ذهبيّة عظيمة مقابل ما استقرّ عليه رأي الجماعة، والانفراديّة والذّاتيّة تجذّر في المرء حبّ رأيه وتعصّبه له والمدافعة عنه بحقٍّ وباطل، وهذه العصبيّة المقيتة في التّجمّعات هي من الوراثة النّكدة للفرديّة الذّاتيّة، ولكنّ الكثير من النّاس يظنّ أنّ المرء حين يدافع عن فكرة مّا وينافح عنها، هو بسبب تبنّي حزبه لها، وهذا خطأ فالنّاس يدافعون عن أفكارهم هم، ولتبنّيهم تلك الأفكار، لأنّها أفكار حزبهم وتنظيمهم، لكنّ بعض النّاس مرتبتهم التّقليد، وبعضهم مرتبته الاتّباع، وبعضهم مرتبته الاجتهاد، وكلّ مرتبة من هذه المراتب هي مراتب ومنازل ودرجات كذلك، قد يكون الرّجل هو في نفسه مقلّدًا فيدافع عن تلك الأفكار مدافعة المقلّد، بغضّ النّظر عن كونه في حزب أو في غير حزب، فعلينا أن ننظر إلى النّاس في نقاشنا معهم باعتبارهم أفرادًا مستقلّين لا باعتبارهم أفرادًا في جماعات، فيعامل كلّ امرئ بحسبه ودرجته مع التّنبيه أنّ المقلّد قد نبّه أئمّتنا على عدم جدوى نقاشه ومناقشته، لكنّ حظّه من الأمر النّصيحة والتّذكير، لا المناظرة والمجادلة.
-زعم بعضهم أنّ التّحزّب تفرّق، وأنّ التّنظيمات وزّعت الأمّة أوزاعًا وفرقًا، وهذا خطأ بيّن، فإنّ التّفرّق في الأمّة حادث بسبب أنانيّتهم وفرديّتهم، والفرديّة هي الّتي صنعت في الأمّة أمراضها، وأفرزت شرورها.