أن العلاقة بين الحقّ والباطل وبين الشرِّ والخير، وبين السحر وأمر الله، وبين النور والظلمة، هي علاقة صراع، لا يقع الواحد إلا ويغيب الآخر، ولا يمكن أن يرضى أحدهما بوجود الآخر، ولو أراد أهل الحق التماس الإذن بوجودهم من الباطل - ولو أدى هذا الالتماس إلى إفراغ الحق من طبيعته (أي بكونه قذيفة) - فإن الباطل لن يأذن ولن يسمح، وصورة الإذن الوحيدة هي: {تلقف ما يأفكون} ، و {نقذف بالحق على الباطل فيدمغه} و {جاء الحق وزهق الباطل} ، أي بأن يقتلع الحق الباطل من جذوره ويخرج روحه منه بيده، وليس عن طريق انتظار أن تخرج روحه منه بنفسه.
وعلى هذا فإن كثيرا من الجماعات الإسلامية التي تنكر الجهاد في هذا العصر أو تدعو إلى (تأجيله) تتهم المجاهدين بأنهم يعطون المبرر للباطل بأن يضربهم ويقتلهم، وهؤلاء جدُّ واهمون، لأنهم جهلوا طبيعة الباطل، وجهلوا أن ذات الحق (دون حركته) لا يرضى عنه ولا بوجوده الكفرُ بحال.
وبين يدينا مئات الأمثلة منها: صراع لوط عليه السلام مع قومه، فلماذا عاداه أهل الفاحشة؟ هل لأنه حمل عليهم؟ أو كرَّ عليهم بليل؟ كل هذا لم يحدث، إنما علة محاربته: {أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} الأعراف. وانظروا إلى هذا الحديث العجيب بين نبي الله شعيب عليه السلام وبين قومه، وتفكروا في عرض شعيب على قومه وماذا قال لهم: قال تعالى على لسان شعيب عليه السلام: {وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين} الأعراف (87) . رجل يقول لقومه: أنتم في حالكم ونحن في حالنا، طائفة آمنوا وطائفة لم يؤمنوا، فيا أيها الكافرون لا تعتدوا علينا ولا نعتدي عليكم حتى يقع أمر قدري لا بأيدينا ولا بأيديكم فيكون هو الفصل بين الطائفتين.