إنّ ممّا أدركه الأوائل (وهو إدراك فطريّ سنني معقّد مع سهولته) أنّ القضيّة التي لا يمكن تنازل المرء عنها، وهي التي تحمل المرء على الرّفض الكلّي للخصم هو ارتباط الخصومة بما يسمّى بالعقيدة والدّين، فكلّ الخصومات يرجى برؤها وشفاء المرء منها إلاّ من خاصمك في الدّين والعقيدة: وفي ذلك بيت شعر قاله الأوائل لم أعد أذكره الآن، وهي قضيّة واضحة المعالم، فالخصومة على المال قد تنتهي إلى الصّلح، وعلى المتاع كذلك، وعلى أيّ شيء، وفي التّاريخ عبر لتوضيح هذا الأمر تعجز هذه الورقات عن سردها أو استيعابها، ولكن هل رأيتم قومًا ساوموا أو اصطلحوا على التّنازل عن عقائدهم؟ الجواب بكلّ وضوح: لا. فقضيّة الفكر والعقيدة لا يساوم المرء عليها، نعم قد يقتنع بضدّها، ولكن ليست هي من معروضات الشّراء والبيع، فإذا اقتنع المرء بصواب فكرته وأنّها الحقّ، فلا بدّ أن يتحرّك باتّجاه الخصم ليغيّره وليبدله إليه، وتتأزّم الخصومة، بل وتؤتي أكلها إذا كان صاحب الفكرة مقتنعًا بالضّلال الكليّ لخصمه، وإذا أردنا أن نفسّر هذه القضيّة السّهلة بما هو مفهوم للشّباب المسلم فنقول: لو أنّ رجلًا كان يعتقد أنّ ما هو عليه هو الإسلام الصّحيح، وكان يعتقد في خصمه أنّه مسلم ولكن ليس تامّ الإيمان بل مقصّر ببعض الشّيء، فما هي درجة مجابهة هذا المسلم لخصمه المقصّر؟ الجواب واضح، وهو أنّ هذه المجابهة لن تكون شرسة، بل سيكون فيها نوع مهادنة، وستكون في وسط الطّريق أنصاف الحلول السّلميّة والمصالحة، لكن إذا اعتقد المسلم أنّ من يجابهه هو كافر مرتدّ وأنّه مشرك بالله، وليس هناك من شيء عنده مما هو في تقييمه أنّه حسن وجميل، فسيكون الصّراع على أشدّه وتكون المجابهة في أعلى درجاتها، وهذا الصّراع الذي يؤتي أكله، ويجني ثماره.