وهذا القول هو قول غلاة المرجئة كذلك إذ أنّهما لا يعرفان إلاّ كفر التّكذيب والجحود، والغريب في الأمر أنّهما يستشهدان بكلام لابن تيمية في"درء تعارض العقل والنّقل" (1/242) حيث يقول: وإنّما الكفر يكون بتكذيب الرّسول فيما أخبر به، أو الامتناع عن متابعته مع العلم بصدقه مثل كفر فرعون واليهود. ا. هـ. فكيف فهما من كلام ابن تيميّة ما قرّرا في الكتاب؟ الجواب: لا ندري، سوى أنّ نقول أنّها المتابعة المقيتة للهوى وقلب الأمور لتوافق الاعتقاد الباطل، فابن تيمية يجعل الكفر كفرين: كفر التّكذيب - وهو ما يتعلّق بالأخبار -، وكفر الإعراض أو العناد - وهو ما يتعلّق بالطّاعة والانقياد -. وهما يحصران هذين الأمرين بالتّكذيب فقط ومع أنّ الكتاب"أحكام التّقرير"من أجهل وأفسد ما وضع في هذا الباب، موضوع التّكفير، إلاّ أنّ الشّيء الجديد في هذا الاتجاه السّلفيّ المنحرف هو ترك الكتب السّلفيّة في موضوع الإيمان والكفر، وعدم الاحتجاج بها، والإقبال على الكتب الخَلفيَّة المنحرفة في موضوع الإيمان، فمراد شكري وعلي الحلبي الأثري (الكاتب والمراجع) ، لا يخجلان أبدًا من الاستشهاد بأبي حامد الغزاليّ، ولا بمحمّد بخيت المطيعيّ ولا بالعلاّمة عضد الدّين الأيجيّ في"العقائد العضديّة"وشارحها الدّوانيّ، وصغار الطّلبة يعلمون أنّ هؤلاء إمّا أشاعرة أو ماترديّة، والفرقتان من فرق الإرجاء في باب الإيمان والكفر، وهكذا يكون اللعب على الحبال، ولو احتجّ أحد بهؤلاء في باب الأسماء والصّفات لردّوا عليه قائلين: هؤلاء ليسوا على مذهب أهل السنّة في هذا الباب، فكيف علموا هذا وجهلوا ذاك أم أنّه كما قال الشّاعر:
يومًا بحزوى، ويومًا بالعقيق، وبالـ ـعذيب يومًا، ويومًا بالخليصاء
وتارة تنتحي نجدا، وآونة شعب… الغوير، وطورًا قصر تيماء