قلنا إنّ هبّات حركات الردّة على أمّتنا ليست بجديدة، ففي آخر حياة النّبيّ صلى الله عليه وسلم أطلّ مسيلمة برأسه، وزعم نزول الوحي عليه، فسمّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم: مسيلمة الكذّاب، وظهر كذلك مرتدٌّ آخر في حياة النّبي صلى الله عليه وسلم، وغلب على أهل اليمن وهو الأسود العنسي، وقام له رجل صالح يسمّى فيروز الدّيلميّ مع جماعة من جند الإسلام وقتلوه في حركة عسكرية انقلابية، وأعادوا اليمن إلى حظيرة الإسلام، أمّا أمر مسيلمة قد امتدّ شأنه، بعد وفاة النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وشاعت حركة الردّة حتّى عمّ شرّها الجزيرة العربيّة، فزعم قومٌ النّبوّةَ، فتنبّأت سجاح بنت الحارث، ولقيط بن مالك الأزديّ، وتوحّى طليحة (وقيل أنّ طلحة ارتدّ في زمن النّبيّ صلى الله عليه وسلم فوجّه النّبيّ صلى الله عليه وسلم ضرار بن الأزور إلى عمّاله على بني أسد في ذلك، وأمرهم بالقيام في ذلك على كلّ من ارتد) ، وعاد النّاس إلى ما كانوا عليه من أمر الجاهليّة فتحلّلوا من فروض الشّريعة، فمنهم من تركها جميعها، ومنهم من أنكر الزّكاة، وزعم أنّها تجب للرّسول صلى الله عليه وسلم فقط، وليس لأبي بكر حقّ فيها، ومنهم من أعلن أنّه سيؤدّيها بنفسه، ولن يؤدّيها إلى أبي بكر الصّدّيق، وظنّ ضعاف الإيمان أنّ سيف الإسلام قد قصرت شفرته بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاغتنموا الفرصة للخروج من هذا الدّين، وغلبت الرّدّة على الجزيرة العربيّة، ولم يبق على الإسلام إلاّ مكّة والطّائف وجواثى بالبحرين والمدينة، فعمّت الردّة القبائل والقرى والتّجمّعات، فقام لها أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم حقّ القيام، ونشطوا في صدّها ومنعها، ورفعوا لها رأس الجدّ والجهاد، ورؤي من أبي بكر رضي الله عنه صلابة لم تعهد فيه من قبل، حتّى أنّ الرّسل كانت تأتيه بالأخبار السّيّئة التي يرهب منها الرّجال فما كان منه إلاّ أن يأمر بالمزيد من الحرب والنّار، حتّى قال