فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 611

وفي غفلة من أهل الحقّ وضعفهم غلب قوم من المرتدّين على المغرب، ثمّ على مصر، وهم الإسماعيليّون العبيديّون، فقد تأسّست الدّولة العبيديّة في المغرب، وقوي شأنها، فبدّلو الشّريعة، وغيروا الأحكام، فقام لها جهابذة الإسلام في المغرب من علماء المالكيّة الأفذاذ، فقاتلوهم بلا تردّد، وعندما قام أبو يزيد الخارجيّ، وكان على مذهب الأباظيّة، تردّد بعض النّاس في قتال المرتدّين تحت راية الخوارج، فكان نداء الأئمّة العلماء يوم ذاك: نقاتل تحت راية من آمن بالله ضدّ راية من كفر بالله، نعم قاتلوا تحت راية الخوارج، ضدّ المرتدّين الزّنادقة، ولبس الإمام الجهبذ - حيّة الوادي ربيع القطّان - المصحف في عنقه، وخرج مقاتلًا للمرتدّين حتّى استشهد، وفي تلك الفترة أفرز علماء المالكيّة أصحاب سحنون من الفتاوى العظيمة ما تعدّ غرّة في تاريخ أهل العلم من أمّتنا، وعلم المرتدّون أنّ أرض المغرب ليست بأرض استقرار وهناء، فوجّهوا هاديهم إلى مصر فغلبوا عليها، واستقرّ لهم الحكم في مصر بمساعدة الصّوفيّة الخبيثة التي مهّدت لهم الطّريق، حتّى أنّهم دخلوا الفسطاط بغير حرب وسيف، وبقي أمرهم في مصر إلى ثلاثة عشر متخلّفًا (كما قال السّيوطي) ، حتّى جاء صلاح الدّين الأيّوبيّ، وأنقذ مصر من العبيديين، وأعادها إلى سلطان الإسلام، وكان من جرأة علماء المغرب، وصلابتهم في الحقّ أن كفّروا كلّ خطيب خرج على المنبر يخطب لبني عبيد، أو يوهم النّاس أنّهم مسلمون، وهي فتوىً عظيمة الشأن جليلة القدر، أجمع عليها أهل زمانها، ومدحها القاضي عياض المالكيّ، وأشار إليها باحترام الإمام شمس الدّين الذّهبيّ في"سير أعلام النّبلاء"، وقد قمت بتحقيق هذه الفتوى، ودراسة ظرفها، والرّدّ على الشّبه التي سيثيرها الجهلة حولها، والفتوى قد طبعت في ورقات مستقلّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت