فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 611

في تلك اللحظة أتصور المشهد بالصورة التالية: لوط عليه السلام يقف أمام الباب وهو ينظر إلى تلك الحيوانات البهيمية من قومه، لوط يرتجف غضبا، وحبات العرق النقية تنساب على جبهته، يداه ترتفعان حينا بالتهديد وبالإنذار، وحينا بالرجاء {هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} ، وأما تلك الحيوانات الإنسية فإن منظرها لن يكون إلا على الصورة التالية: سكرى يتمايلون باستهزاء وسخرية، ويهرشون أبدانهم القذرة ارتقابا بعاجل الشهوة، وليس بعيدا أنهم يحملون معهم بعض الأوراق كتب عليها "الدستور لقرية سدوم" (قرية نبي الله لوط عليه السلام) ، وفي هذا الدستور مكتوب فيه: "قرر الشعب أن يختار حرية الجنس بين المتماثلين"، في هذه اللحظات التي امتدت في نفس لوط إلى ملايين السنين، ونسي كل شيء وغابت عنه أعظم الحقائق. وهو كونه يأوي إلى ركن شديد. في تلك اللحظة التي بلغت فيها الأزمة ذروتها يخرج ضيف كأنه البدر ويضرب كتف لوط قائلا له: {إنّا رسل ربك} ، أي نحن ملائكة العذاب. يا الله!: جاء الفرج، جاء الفرج، وهنا أخي في الله املأ مخيلتك بمشهد لوط عليه السلام: تخيل ماذا قال؟ وتخيل ماذا فعل؟ نعم في البداية جحظت عيناه من هول المفاجأة ولم يصدق ما سمع، لكنه جزما رأى ابتسامة على وجه الملك ردّت إليه روح الأمل فصرخ: ماذا؟ ملائكة الله؟ ملائكة العذاب؟: هيا عذبوهم، اقتلوهم، أروني بهم ما يسر ويبسط نفسي ويفرح قلبي. أرجوكم الآن لأشفي قلبي منهم. لكنّ الجواب: {إن موعدهم الصبح} هذا جوابهم. قال لوط: ماذا؟ الصبح! الصبح بعيد، وكان الوقت عصرا - كما قال أهل التفسير - أريد أن أشفي قلبي منهم الآن! قال الملائكة: بل انتظر، الصبح قريب. نعم فكان ما كان: {فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجّيل منضود (أي مصنوعة في السماء) مسومة (أي مختومة بختم الصنع وإما بأسماء أصحابها) عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد} ، وانتهى المشهد بكل حركته وبكل عظمته، وظهر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت