إنّ الله سبحانه وتعالى بعث محمّدا صلى الله عليه وسلم لهدم الأوثان وتجريد الطّواغيت من قداستها الزّائفة وهذا لا يقع إلاّ بعيب الآلهة الباطلة، فقد كان منهجه صلى الله عليه وسلم في دعوته إلى الله بيان ضلال ما عليه البشر من عبادة غير الله تعالى، فقد عاب آلهتهم، وسبّ آباءهم، وسخر من أوثانهم، لأنّه لا يتمّ التّوحيد الحقّ إلاّ بالبراءة من الطّواغيت وعبّادهم كما قال إبراهيم عليه السّلام لقومه: {إنّا برءاء منكم وممّا تعبدون من دون الله كفرنا بكم، وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتّى تؤمنوا بالله وحده} . وهذا الذي قاله أبو الأنبياء عليه الصّلاة والسّلام قاله في زمن الاستضعاف، وقلّة النّاصرين، وهو الذي فعله نبيّ الرّحمة والملحمة، فأمر البراءة من الكافرين وعبادتهم ليس ممّا يدخل في باب المصلحة، فإنّ إبراهيم عليه السّلام قال: {وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء} ، فقدّم العداوة وهي أمر ظاهر بيّن غير ظنّي على البغضاء وهي أمر قلبيّ خفيّ، ثمّ ليعلم المسلم أن قوله للعلمانيين: أنّنا اختلفنا معكم في التّفسير، هو تصويب لعبادتهم ودينهم، وهو افتراض وجود الصّواب عندهم، وهذا أمر لا يقوله مسلم، فإنّ المسلم الموحّد يجزم بكفر ما عليه العلمانيّون، وهكذا يظهر الخلاف مرّة أخرى بين منهج العبوديّة لربّ الأرباب، وبين منهج تأليه البشر وأهوائهم، فإذا علّق المسلم بغضه للكافرين بكونهم أعداء لله فلن يرضى إلاّ بأن يرمي الحقيقة في وجوههم، ولا تدخل المصالح في هذا الباب البتّة، وأمّا إذا اتّبع المنهج الآخر فهو سيبقى جاهدًا لإرضاء خصوم الحقّ وأعداء الدّين.