وأنا هنا لا أستطيع أبدًا أن أُكثر الأمثلة، أو أستوعب بعضها في ذكر النّماذج التي تشهد لهذه القاعدة، أو لهاتين القاعدتين، لكنّي أدعو طلبة العلم وغيرهم إلى فتح وقراءة صحيح البخاري مثلًا (وهو أفضل نموذج لما أقول) ، ويقرؤوه بتمعّن وتدبّر، ويحاول كلّ واحد أن يجمع ظرف الحديث الوارد، بمعنى أن يذكر الزّمن الذي قيل فيه الحديث، وأين قيل، لرأى أنّ أغلب مسائل الفقه في عموم الحياة كانت تقالُ في الجهاد في سبيل الله تعالى، وهاك بعض الأمثلة:
· قوله صلى الله عليه وسلم لجابر رضي الله عنه في ترغيبه له أن يتزوّج البكر: (( هلاّ بكرًا تلاعبك وتلاعبها ) )، قالها صلى الله عليه وسلم خلال قفلةٍ من غزوة.
· فقه التّيمّم من الجنابة أُخذ من حادثةٍ في غزوة.
· حكم زواج المتعة، كان كلّه في الغزو من تحليل وتحريم مؤبّد.
· جواز شركة الأبدان أُخذ من حديث يتعلّق بجواز الشّركة بين المجاهدين في الغنيمة.
والأمثلة أكثر من أن تحصى، وهي تدلّ دلالةً واضحةً أنّ عمل الأمّة التي ينبغي أن تعمل فيه - وكلّ عمل آخر هو تبع له - هو الجهاد في سبيل الله تعالى.
ولمّا كان عمل الأمّة بمجموعها - إلاّ من استثناه الشّارع الحكيم سبحانه وتعالى - هو الجهاد في سبيل الله، فكان المقدّم فيها هو أتقنهم لهذا العمل، وأكثرهم قدرةً على خوضِ غماره، فكان المُقدّم هو المجاهد في سبيل الله تعالى، وهكذا كان حال قادة الأمّة من خلفاء وأمراء، فلا يوجد خليفةٌ في تاريخنا الطّويل إلاّ وكان مقاتلًا مجاهدًا، وفي أعلى مرتبةٍ من مراتبِ هذا العمل العظيم.
هارون الرّشيد، هذه الشّخصيّة العظيمة، والتي ملأها الكذّابون أخبارًا مزيّفة عن بذخه ولهوه وقصفه، لو علموا حقيقته، لخجلوا من أنفسهم أشدّ الخجل، ولكنّهم في الحقيقة لا يخجلون.