فهرس الكتاب

الصفحة 323 من 611

هارون الرّشيد كان يغزو عامًا ويحجّ عامًا، وكان ينام على حصانِ جهاده حتّى تقوّست رجلاه من كثرة ركوبه عليه، ومات وهو في غزوة «الصّائف» جهة المشرق، وهو يجاهد في سبيل الله تعالى. لو قال قائل: لكنّه كان كثير المال، عنده الجواهر بالأطنان، والذّهب بالأرطال، والمال لا يُعَدّ بين يديه. قلنا له: صدقْت وهكذا كانت الأمّة، غنيّة مثلهُ، فلم يكن غنيًّا وأمّته لا تجد لقمة الخبز، كما هو حال الظّلمة والمتكبّرين، ثمّ قلنا لهم كذلك، هذا كلّه من فضل الله ثمّ من فضل الجهاد في سبيل الله، حيث أورثه الله تعالى بالجهاد ديار الظالمين، لقوله صلى الله عليه وسلم: (( جعل رزقي تحت ظلّ رمحي ) ).

نقول هذا الكلام ردًّا على من يحاول أن يبحث عن القيادة الصّحيحة الحقّة للتّجمّعات الإسلاميّة، وكذا التّنظيمان والتّكتّلات، نقول: لن نستطيع شئنا أو أبينا أن نفرز قيادة حقيقيّة إلاّ في الظّرف الصّحيح لهذا الإفراز، هذا الظّرف هو الجهاد في سبيل الله. حين يبرز قائد تلتقي حوله الجماعة في ظروف الشّدائد والأهوال، والمصابَرة والمكابَدة، وهي ظروف قاسيةٌ، تكشف المعادن على حقيقتها، حينئذٍ يكون معدن القائد خالٍ من الشّوائب والكدَر، فهُو قائدٌ حقيقيّ يستحقّ هذا المنصب، بل المنصبُ يتشرّف به ويفخر، لكن في زمن الدّعة والخمول، بل في زمن المهانة والرّذيلة، وظروف الخسّة والعار، يأتي لنا شيخٌ معمّم مثلًا جلّ ما يملك هو إتقانه صنع الكلمة الحماسيّة، أو المنمّقة، فيأسرُ ألباب السّامعين، فيسارعُ الغثاء إلى تسييده وتأميره، فهل هذا هو الطّريق الحقيقيّ في اكتشاف القيادة الصّائبة؟ أو حين يَطْلُع علينا رجل ملك البريق الدِّعائيّ، سواء بقدرته على إنشاء مجلة أو نشرة أو جريدة، بها استطاع أن يشرف على الناس، فيعرفونه كاتبا مرموقا، أو سياسيا خبيرا، فهل هذا هو الطريق الصائب للقيادة الحقيقية؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت