إنّ معرفة طالوت لحقيقة جنوده كانت من خلال مسيرته وحركته للجهاد في سبيل الله تعالى، وهذا الذي نقوله وندعوا النّاس إليه بفضل الله تعالى ورحمته، ونحمدُ الله تعالى أن عافانا من أمراض الآخرين وتصوّراتهم العليلة.
ثمّ خلص من خلص إلى المواجهة ضدّ جالوت وجنوده بعد محنة النّهر والشُّرب منه، ثمّ محنة الكثرة والقوّة الماديّة، ولم يذكر لنا القرآن الكريم أنّ محنة الكثرة العدديّة أسقَطَت بعض القوم، بل إنّ الوصف المدْحيّ لهم كان قبل ابتلائهم برؤية كثرة عدوِّهم، حيث قال الله تعالى بعد حادثة النّهر: {فلمّا جاوزه هو والذين آمنوا معه} ، فوَصْف الإيمان ههنا وصفٌ مدحيّ، لكنّ الإيمان مراتب متفاوتة وليس على درجة واحدة.
قال تعالى: {فهزموهم بإذن الله، وقتل داود جالوت وآتاه الله المُلك والحِكمة وعلّمه ممّا يشاء} .
حصل المقدور الإلهيّ بنصر المؤمنين ووقع الوعد الإلهيّ {كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله والله مع الصّابرين} ، ومن حدَث المعركة، ومن وسط ملمّاتها، ومن حركة الجهاد عرف النّاس داودَ عليه السّلام، ونحن المسلمون نعتقد أنّ النّبوّة اختيار واصطفاء، وقد عاب السّلف رحمهم الله على الإمام ابن حبان البستي صاحب الصّحيح، حين قال:"إنّما النّبوّة العلم والعمل"، حيث لحظوا فيها إلغاء الاختيار والاصطفاء الإلهي، ولكنّنا نجزم أنّ الإمام ابن حبان لم يرد هذا، وأنا أقدّم هذا حتّى لا يخرجَ علينا زاعمٌ بأنّ معنى ما نقول هو إلغاء الاختيار، ولكنّا عرفنا من خلال الآيات أنّ داود عليه السّلام برز بعد {وقتل داود جالوت} . فجمع الله تعالى لداود ما تفرّق قبل الحدث بين النّبوّة والملك {وآتاه الله الملك والحكمة} . نعم! عندما قتل الجنديّ داود الكافرَ جالوت كانت مقدّمة الاختيار.