هذا الفهم له أدلة كثيرة منها: أولًا: قال تعالى: {إنّا لننصر رسلنا والّذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} غافر، وقال تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون} الصافّات، وقال تعالى: {ولقد كتبنا في الزّبور من بعد الذكر أنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون} الأنبياء، وقال تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصّالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم} .هذه الآيات وغيرها الكثير تربط بين صدق الدعوى وصدق الوعد.
أما الدعوى فهي الإيمان وهي أعلى مراتب تحقيق العبودية.
وأمّا الوعد فهو التمكين، فإذا وجدت الدعوى فلا بد أن يتحقق الوعد، وتخلف الوعد يدل لزومًا على تخلف الدعوى، وللتذكير فإنّ هذه القواعد القرآنية هي قواعد الجماعة ولا تعمل إلا من خلال الجماعة، وإذا تأملت في الآيات السالفة بعين نظر رأيت صفة الجمع للدعوى: {الّذين آمنوا} و {جندنا} و {عبادي الصّالحون} فإنها تتكلم عن جماعة لا عن أفراد، وهذه قاعدة سنتكلم عليها إن شاء الله في مقام قادم.
فالتمكين الّذي هو النصر والغلبة هو مظهر من مظاهر عبودية المسلم في الأرض، وطلب التمكين في الأرض هو أمر إلهي واجب، على القاعدة التي تقدمت في مقال سابق وهي أنّ الوعود الإلهية هي أوامر لتحقيق أسبابها والسعي في إدراكها، فأي جماعة لا تعمل في أسباب التمكين في الأرض بالغلبة والقوة هي جماعة لا تستحق أن تلج باب العبودية لرب الأرباب، والتمكين لا يتمّ إلاّ بالفتح كما أن الفتح لا يتم إلا بشهادة كما سنبين في الفقرات القادمة.