لقد بدأ بعض الشباب ينبز العقلية الفقهية والخطاب السلفي بالتخلف، وأنه خطاب غير حضاري، ولا يلائم هذا العصر ولا يوافقه. لكن علينا أن نتذكَّر نقطةً مهمة ومهمة جدًا وهي أنّ الخطاب الفقهي هو الذي يحفظ لهذا الدين جوهرته لأنه يحمل في ثناياه - بل في كلِّ ثنيةٍ فيه - وكلِّ لفظٍ فيه حقيقة هذا الدين، وأنَّ هذا الدين هو خطاب الرَّب لعبيده، وأن القصد من هذا الخطاب هو تحقيق الدين في العبيد، بأن يصبح متديِّنًا تديّنًا إسلاميًّا، وإنَّ أقلَّ ما يصنع هذا الخطاب البدعي المنحرف رجلًا مفكرًا تفكيرًا إسلاميًا، ويظهر هذا واضحًا بين شخصيّتين ومَثَليْن، فلو نظَرْت إلى صورةٍ نموذجيةٍ لهؤلاء المبتدعة الجُدُد لرأيت أن مجرَّد الحديث عن الالتزام العلميِّ بالإسلام هو داخل في حديث النكتة والطَّرافة، وإنَّ رجلًا من رجالات الفكر الإسلامي كالعقاد مثلًا كان يعقد ندوته الأسبوعية وقت صلاة الجمعة، وهو مثال عليك أن تضربه بعشرة هذه الأيام لتعلم مِقدارَ التزام هؤلاء المفكِّرين بالإسلام وتشريعاته.
الخطاب الحضاريُّ المزعوم القصد منه إفراغ الإسلام من حقيقته وجوهره وأنه دين جاء للناس ليَمتثِلوا أمره، ويخضعوا له، الخطاب الحضاري المزعوم يصنع شخوصًا تؤمن بالإسلام الحضاري على صورة أفكار ممتعة نتداولها في سهراتنا وندواتنا وأحاديثنا.
لقد بدأت بِذرةُ الخُبث تطلُّ برأسها من احتقار الحديث عن الفقه وأحكامه، وعن المجال الذي يهمُّ الإنسان الفطري وهو العمل، إلى الحديث عمَّا لا فائدةَ فيه سوى كونه مُتعةً مشروعةً إذا كان بعد العمل.