الويل كلّ الويل لمن حاول أن يقول للنّاس الحقيقة، والشأن كلّ الشأن لمن يقول:
ومالك وسائر الأئمّة كذا أبو القاسم هداة الأمّة
فواجب تقليد حبر منهم كذا حكى القوم بلفظ يفهم
[جوهرة التّوحيد] .فصار تقليد أبي القاسم واجبًا من واجبات الدّين.
المثل الثّاني هو الفلسفة: الفلسفة صناعة بشريّة عمادها نبذ الوحي، وهي وافد لها عقيدة خاصّة ورياضة خاصّة (أي دين مستقلّ) ، وقد عانت الفلسفة وإفرازاتها الفكريّة الكثير عندما جاءت إلى الصّف الإسلامي، وحكم العلماء الأفذاذ عليها بالكفر والزّندقة، وكانوا يلاحقونها بسيف الشّرع والإسلام، وقد قُتل الكثير من رجالها بفتاوى أهل الدّين والحقّ، ولكنّها تستكن حينًا ثمّ تبرز على الطّريقة التي شرحناها مع الصّوفيّة، فتُسلم الفلسفة أو يتفلسف الإسلام، وتصاغ الفلسفة بطريقة إسلاميّة، ويصبح علم الكلام، والذي هو أبرز إفرازاتها في المجتمع الإسلاميّ هو راية الإسلام، ورأسه، وعقيدته، حتّى قيل: والعجب ممّن يقول: ليس في القرآن علم الكلام [من كلام أبي القاسم القشيريّ] ، وبالتّالي تصبح الفلسفة مسلمة، أي تسلم الفلسفة، وينتهي الأمر إلى: أنّ الحكمة (أي الفلسفة) هي صاحبة الشّريعة والأخت الرّضيعة، فالأذية ممّن يُنسب إليها هي شرّ الأذية، مع ما يقع بينهما من العداوة والبغضاء والمشاجرة، وهما المصطحبتان بالطّبع، المتحابّتان بالجوهر والغريزة. [ «فصل المقال» لابن رشد الحفيد] .
ولسنا الآن في معرض نقاش الآثار الإجراميّة السّيّئة لهذا الاختراق، فإنّ شرح آثار الصّوفيّة المجرمة على العقل المسلم وعلى المجتمع الإسلاميّ تحتاج إلى مجلّدات، وكذا الفلسفة وإفرازاتها فإنّ هذه المذاهب الوافدة قد دمّرت الأمّة الإسلاميّة، وما هذه الثّمار السّيّئة التي نعيشها إلاّ صورة مصغّرة من آثار هذه الوافدات الخبيثة.