فهرس الكتاب

الصفحة 469 من 611

فانظر (حفظك الله من كلّ شرٍّ وسوء) إلى مقاصد القتال وأنّه مربوط بالرّاية التي تقاتل تحتها، وكيف أنّ الرّاية تحدّد المقصد لأنّ السّائر تحتها سيقف حيث وقفت، ويمتثل أمر ورودها وصدورها لا يتعدّاها ولا يخالفها في أمر من الأمور، ومن هنا فإنّنا نستطيع أن نحكم على الرّاية بمعرفة الغاية، وكذلك نعرف الغاية بمعرفتنا للرّاية، لأنّ الرّاية الظّاهرة هي مظهر المقصد المخفيّ، والغاية المعلنة باللفظ والتّصريح هي التي تحدّد لنا الرّاية التي يقاتل المرء تحتها.

ومعلوم أنّ الجهاد في سبيل الله قد يكون لمقصد واحد من مقاصد الشّريعة، وقد يكون مطلقًا لنشر الإسلام وتحكيم الشّريعة، فقد يجاهد المرء مدافعًا عن عرضه، وقد يجاهد مدافعا عن ماله، أو عن نفسه، أو لفكّ أسير مسلم أو ذمّي (على قول بعض أهل العلم) وكلّ ذلك داخل تحت المقاصد الشّرعيّة الصّحيحة التي تُدخل هذا الفعل في مسمّى الجهاد في سبيل الله تعالى.

أمّا القتال تحت الرّايات الكافرة أو البدعيّة بدعة مكفّرة، أو في وقت الهرج الذي لا يدري المرء على ماذا يقاتل، أو لأيّ شيء يُقتل فهذا لا يدخل في باب الجهاد في سبيل الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: (( من قُتل تحت راية عميّة، يدعوا إلى عصبيّة أو ينصر عصبيّة، فقِتلته جاهليّة ) ). [رواه مسلم من حديث جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه] ، أي إن مات تحت هذه الرّاية فقد مات جاهليًّا، والعميّة من العمى وهي الغواية والضّلال كالقتال في العصبيّة والأهواء، وحكى بعضهم فيها ضمّ العين «عُميّة» ، وسئل أحمد بن حنبل - رحمه الله - عمّن قُتل في عميّة؟. قال: الأمر الأعمى للعصبيّة لا تستبين ما وجهه. قال أبو إسحاق: إنّما معنى هذا في تحارب القوم وقتل بعضهم بعضًا. يقول: من قتل فيها كان هالكًا. قال أبو زيد: العميّة: الدّعوة العمياء فقتيلها في النّار. وقيل: العميّة: الفتنة، وقيل الضّلالة. [انتهى «باب الياء فصل العين» ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت