أمّا فهمُ الجماعة لطبيعة المعركة وحقيقتها فهذا من هداية الله تعالى لها، حيث فهِمت ما عليه الحكّام وطوائفهم، وأنّهم طوائف كفر وردّة بسبب ما غيّروا الملّة وبدّلوا الدّين وحكموا بغير شريعة الرّحمن، فهذا هو واقعنا، وكلّ من يحاول أن يهرب من هذا التّوصيف إلى عبارات فضفاضة تتّسع له إن أراد النّكوص على عقبيه فهو محجوج بالحجّة في الدّنيا والآخرة، وصار لله عليه سبيلًا، فهذا فهمُ المرء المسلم وهذا هو الوصف الشّرعيّ لعدوِّه، فإن كان كذلك فإنّه سيكون بصيرًا لنوع المعركة التي يخوضها، فالذي أمامه هو مرتد، بل مرتدّ ردَّةً مغلّظةً لا تُقبل له توبةٌ وليس لهم إلاّ الحرب المُجْلية أو السّلم المُخْزية، فلا حوارَ معهم ولا هدنة ولا صلح، وليس لهم إلاّ أن يحكم الله بيننا وبينهم - النّصر أو الشّهادة -.
فهذا وصف المجاهدين وهذا هو وصف أعدائهم، وبهذا تحدّدت الرّاية التي يجب على المسلم أن يتبيّنها ويكتشفها قبل أن يريق دمه على أصلها محتسبًا وجه الله تعالى.
والجماعة تتبرأ من كلّ المناهج البدعيّة القديمة منها والحديثة، فهي تتبرّأ من عقيدة الخوارج وأذنابهم من جماعات التّكفير والهجرة، وهي لا تكفّر بالعموم ولا تعتقد أنّ الأصل في النّاس هو الكفر، بل هي تتعامل مع النّاس على أساس الإسلام، إذ أنّ هذا هو أصلهم ولا ينتقض هذا الأصل للآحاد والمجموع إلاّ بدليل شرعيّ لا مدخل فيها للهوى ولا للظنّة المُهلكة ولا لهوس النّفوس وخاصّة كما يقول بعض الخوارج: إذا كفر الإمام كفرت الرّعيّة. ومن صريح فهمهما لهذا أنّها تعاملت مع الجزائر على أنّها دار مركّبة من حقيقتين (كما أفتى شيخ الإسلام في واقع قلعة ماردين) : دار إسلام بحسب أهلها وأصل سكّانها، ودار كفر (حكم الطّائفة المتغلّبة الحاكمة) . وهذا من أوضح الأدلّة على أنّ الجماعة لا تقيم أحكامها على مناهج بدعيّة باطلة، وأنّ الجماعة تتبيّن في كلّ ما تقول وتفعل إن شاء الله تعالى.