ثمّ إني ثربت هناك ورهَّبت من أولئك القوم الذين يتضلّعون من كتب الأغيار في بنائهم لمعارفهم في طريقة التغيير وبناء الدّول.
والجواب على هذا أقول:
أوّلًا: إني وإن اعتقدت أن الطريقة النَّبوية هي عينها الطريقة الكونيّة في إقامة الدُّول إلاّ أنّ الخطاب الشرعي لا يَثبُت إلاّ بدليلٍ شرعي، فهو كقولِ من قال إن النقل الصحيح لا يخالف العقل الصريح، وقد أطلقه خيار الأئمّة في باب صفات الله تعالى، إلا أنّ صفات الله تعالى لا تثبت إلاّ بالشَّرع الصَّحيح مع أنها لا تخالف العقل الصَّريح.
ثانيًا: إنّ مهمَّة إقامة الدولة الإسلاميّة تتطلَّب عمَار باطنٍ بمثالٍ سابقٍ خلالَ حركته وقيامه وقعوده، وهذا المثال يجب أن يكون عبدًا صالحًا، فالواجب ضرْبُ الأمثلة بالشُّخوص المهتدين، وأنا أعتقد أنّ ما من حقٍّ يحتاجه المرء في هذه الدنيا إلاّ وفي الكتاب والسنة ما يغنيه فيه، فلماذا إبعاد النجعة (وإبعاد النجعة معناها أنّ طالب الماء حين يستطيع أن يأخذ الماء من مكان قريب فيذهب إلى المورد البعيد فقد شقّ على نفسه وأبعد في الطلب من غير ما ضرورة) .
ثالثًا: في كلامي السابق تنبيه مهم على نوعيَّةٍ من الدارسين لكتب الأغيار تملّؤوا منها وتضلّعوا منها حتّى الثمالة فكانت عُمُدُ معارفهم منها، ولم يكن التاريخ الإسلامي عمومًا والسيرة النبويّة خصوصًا عندهم إلاّ غِطاءً وصبغةً ظاهرة لهذه المعارف، فقد تراهم يأخذون المعارف من الأغيار ولكنهم يُأسلمونها بعد ذلك حسب نظريّة المعهد العالمي للفكر الإسلامي في مشروعه (إسلاميّة المعرفة) ، فهذا الصِّنف من الدارسين يقعون في أخطاءٍ لا بدّ من التنبيه عليها، ولذلك كان المقال السابق.
ونحن في هذا الباب أمام صنفين من الناس: