فعلوم الكونيّات تؤخذ من أصحابها المتفقّهين فيها ولا تؤخذ من غير أهلها، فإذا وقعت الموازنة بين الفاسق أو الكافر العالم لهذه العلوم وبين المسلم الصّالح الجاهل في هذه العلوم فإنّ واجب التّرجيح يكون مائلًا إلى أصحاب هذه العلوم من غير تردّد.
نعم: أمانينا أن يجتمع البيان والدّين مع القوّة والفنون المادّيّة، ولكنّها أماني أظنّ أنّنا فقدناها قديمًا في أهل الإسلام، ولا حاجة لذكر ما ذكره ابن تيمية رحمه الله تعالى من حصول هذا الافتراق في زمانه، ولكن وما ذلك على الله بعزيز.
وممّا يجب أن يُعلم أنّ هذه العلوم دليلها الحسّ والتّجربة والعقل، ومن رام دليل هذه العلوم في كلّ أحداثها وقواعدها وأصولها من الكتاب والسّنّة من غير العمومات فهو جاهل لا يفهم دين الله تعالى، نعم هي داخلة في عمومات الشّريعة التي تُبيح لنا تعلّم هذه العلوم من غير طريق النّبوّة (الوحي) كالسّير في الأرض والنّظر والبحث و (( أنتم أعلم بأمور دنياكم ) ).
فمثل هؤلاء الطّالبين لأدلّة ما هو كونيّ ممّا هو شرعيّ يذكّروننا بقصّة ذكرها ابن حزم في بعض كتبه وأظنّ أنّه «طوق الحمامة» ، وتقول القصّة: أنّ رجلًا مغفّلًا من أهل الحديث ركب سفينة فرأى رجلًا نصرانيًّا يحمل زجاجات خمر، فتقدّم منه المحدّث المغفّل وسأله عمّا هو داخل الزّجاجات. فقال: هذه زجاجات خمر.
فقال المحدّث: ما دينك؟. قال الرّجل: نصرانيّ. قال المحدّث: ممّن اشتريتها؟. قال الرّجل: من يهوديّ.
فأهوى المحدّث بيده على قارورة منها فشربها، فتعجّب النّصرانيّ وقال له: أقول لك هي خمر وتشربها؟!!.
فردّ المغفّل: يا هذا يأتيني الحديث عن فلان وفلان (وذكر أسماء جماعة من كبار أهل الحديث) فأردّه، أفآخذ بقول نصرانيٍّ عن يهوديّ؟!.