فالناس قد تبعوه لظاهره, ولم يكونوا يعلمون مخبره إلى آخر معركة بينه وبين خصومه, وهي المعركة التي قُتل فيها على يد مصعب بن الزبير قائد أخيه عبد الله بن الزبير حيث تم قتله في قصره في الكوفة, وتشتَّت عنه أصحابه بل قد قُتل أكثرهم حتى قتل مصعب بن الزبير من جماعته أكثر من ستة آلاف رجل, وقد أنكر ابن عمر على مصعب هذا الإسراف في القتل.
هذه الدعوى التي رفعها المختار, وهذه الراية التي جمع الناس تحتها جعلت بعض الصحابة يكون من حملة الرايات في عسكره كما هو شأن أبو الطفيل عامر بن وائلة الليثي، حتى أن ابن حزم الظاهري -رحمه الله تعالى- ردَّ حديث هذا الصحابي لهذا السبب [1] ، وهو مخطئ في هذا ولا شك, فإن ما يعلمه أهل التواريخ بعد موت المختار عن المختار لم يكن معلومًا قبل موته, فالناس تبعوه لظاهره ومنهم عامر -رضي الله عنه-.
بل كان شريح قاضيًا له في الكوفة ثم أقام مكانه عبد الله بن عتبة بن مسعود, وقبلها كان هو الذي يقضي بين الناس, وكانت صيغة البيعة بينه وبين الناس:"تبايعون على كتاب الله وعلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , والطلب بدماء أهل البيت, وجهاد المُحِلين [2] ".
قال ابن الجوزي في (المنتظم) :"وأخذ المختار في السيرة الجميلة".
وكان أصحابه لهم رغبة شديدة في الشهادة, فقد قال أحد قادته ويسمى يزيد بن أنس:"وأيم الله لئن لقيتهم -أي أهل الشام- ففاتني النصر فلا تفوتني الشهادة".
ولكن كل هذا لا بد أن ينكشف يومًا؛ فقد بدأت بعض الأمارات المكذِّبة لدعواه ومن ذلك أن محمد بن الحنفية أعلن براءته وصار يقول:"يزعم المختار أنه لنا شيعة وقتلة الحسين جلساؤه يحدثونه".
وبالتالي عرف أهل الكوفة كذبه وأنه ليس موكلًا من قبل محمد بن الحنفية, فنقضوا بيعته وقالوا له:"نريد أن تعتزلنا فإنك زعمت أن محمد بن الحنفية بعثك ولم يبعثك".
(1) كما ذكر ذلك في (المحلى) : (3/ 174) .
(2) أي سافكو الدماء.