وكان من كذبه أنه قال لرجل من أهل الحديث:"ضع لي حديثًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أني كائن بعده"!، فقال الرجل:"أما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا, ولكن اختر من شئت من الصحابة واحطط من الثمن ما شئت", قال:"عن النبي آكد", قال:"والعذاب عليه أشد".
ثم ادعى أن الوحي ينزل عليه فكان يقول:"قام الآن عن هذه الوسادة جبريل, وعن الأخرى ميكائيل".
ثم ها نحن الآن نعتقد أن المختار هو المقصود بقوله - صلى الله عليه وسلم: (يخرج من ثقيف كذاب ومُبِير) , فالكذاب هو المختار بن أبي عبيد الثقفي [1] .
قلت: حادثة المختار بن أبي عبيد [2] وأمثالها في التاريخ الإسلامي تبيّن أن كثيرًا من الناس يتَّبعون الرايات المرفوعة ويموتون من أجلها ويخلصون لها على سبيل حسن الظن بأصحابها وبمن رفعها, وخاصة حين تتلاقى هذه الرايات مع عقائد وعواطف المناصرين والمؤيدين فإنهم يسارعون إلى الوقوف معها ورد الخصوم عنها والمدافعة حتى الموت عنها.
وقد قدَّمت في موطن سابق أن أمر المسلم في حكمه على الأمور مناطه على الظاهر وغلبة الظن وليس على اليقين والقطع الإحاطة, وقد ألَّف الإمام الشافعي -رحمه الله- كتابه (جماع العلم) ليثبت هذا الأمر, وهو أن أعمال الإنسان في عبادته لله تعالى قائمة على الظن وغلبته.
وبيَّن أن طالب الإجماع على شيء من حوادث الناس إنما يطلب ما لا يوجد بحال, والمسلم ما دامت وجهته طلب الحق ونصرته, وما دام همه إصابة ما يحب الله تعالى ويرضاه فإنه لا يهمه ما يقع فيه بعد ذلك من تبين خطأه وعدم صواب رأيه, وهذا أمر الناس: أي أن يجتهدوا في إصابة الحق ويتحرَّونه ويعملون من أجل متابعته ونصرته, فإن عاب الناس عليهم هذا الاجتهاد فإنما هم المعيبون والمخطئون.
(1) انظر: (لسان الميزان) لابن جرير (6/ 6) .
(2) والده هو أبو عبيد الثقفي من خيرة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مات شهيدًا في موقعة الجسر مع الفرس والجسر يسمى باسم أي جسر أبي عبيد -رضي الله عنه-.