هذه الأسباب الظّاهرة (العقلية) التي يطرحها صاحب الرّأي لردّ النصّ المعصوم وهي عندي كافية (كافية عند أهل السنّة والجماعة) لاعتبار الرّجل متأولًا مع أنّه مخطئ ولا شكّ.
لكن ماذا عن الأمور الباطنية؟ أي ما هي الأسباب النّفسية التي تدفع المفكّر أو الفقيه لردّ النّص المعصوم؟.
هناك أسباب نفسية عدّة تدفع المفكّر لهذا المسلك البدعي أهمّها:
(1) عدم الخلوص من أهواء النّفوس، لأنّ العبوديّة لله تعالى تعني تجرّد العبد من جميع أهوائه، وأعظم الأهواء في هذا الباب هو أن يعتبر الإنسان أنّ له قولًا ورأيًا، وأنّه صاحب شخصيّة معتبرة، ينسب لها القول، ويشار إليها بالاعتبار والتقدير.
(2) محاولة تليين الإسلام وليّه ليوافق رغبة الإنسان وهواه، أو ليوافق الواقع، وهذا نراه في أغلب أرائيّة زماننا، فإنّهم لهزيمتهم النّفسيّة أمام استعلاء الكفر واستكباره في هذا الزّمان تدفعهم هذه الهزيمة لمحاولة ليّ أعناق النّصوص لتوافق رغبات النّاس وأهوائهم، واستعجالًا بضرب الأمثلة (مع أننا أجّلناها لعدد قادم) ، إلاّ أنّ الشّيخ المصري محمّد الغزالي خير دليل على ذلك، وخاصّة كتابه "السنّة النّبويّة بين أهل الفقه وأهل الحديث"، فقد رأينا هذا الأزهري يشرح لقرّائه عن عجزه في تقديم الحكم الشّرعي المستمدّ من قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: (( لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة ) ).
فيقول هذا المنهزم: كيف نستطيع أن نقدّم الإسلام ومنه هذا الحديث لأهل بريطانيا مثلًا وهم استطاعوا أن يحقّقوا بعض مطامحهم، برئاسة "مارجريت تاتشر"؟.
فالنّتيجة عند هذا الشّيخ وأمثاله هي أن نضع أيدينا على هذا الحديث خجلًا منه (كما فعلت يهود بآيات الرّجم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) وذلك من أجل أصحاب العيون الزّرقاء من الإنجليز وغيرهم.